رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أحمد بهجت صابر يكتب: نأخذها على محمل الجد

فى منطقتنا العربية تجرى الكثير من المياه فى النهر دون أن يكون لأهله رأى أو حتى يملكون ترف الرفض أو القبول, فالدول الكبرى الرئيسية تقرر وعلى أنظمتها فى ظل اللحظة الآنية الموافقة - على ما يبدو - دون إبداء الأسباب أو حتى التوقف على ماهية تلك الأمور المصيرية.

 

من ضمن ما يُثار عن هذه القرارات الحديث عن حلف أمنى – ناتو عربى - دوره تبادل المعلومات الاستخبارتية – كما هو معلن – يضم دولاً عربية والكيان الصهيونى كمراقب لفترة من الزمن لمواجهة الأخطار التى يراها البعض تتمثل فى "إيران" والتنظيمات المتطرفة, الأكثر هو الإعلان أن الولايات المتحدة الأمريكية استطلعت آراء بعض البعثات الدبلوماسية العربية فى واشنطن بهذا الصدد, وكما عودتنا الأنظمة العربية فإن القرار بالموافقة سيكون فى دائرة ضيقة جداً من الحكم بما يحجب معها حق الشعوب فى الرفض أو القبول.

المشكلة تكمن فى أن ملامح المنطقة العربية لفترة مقبلة ليست بالقصيرة تتضح من خلال مجريات الأحداث على الساحة وما يدور فى الكواليس أيضاً, فها نحن نشهد وجود قوات أجنبية على أراضيها تحت يافطات مختلفة منها بالطبع "محاربة الإرهاب" فى إطار تحالفات دولية لهذا الغرض, بالإضافة لوجود قواعد عسكرية مختلفة فى العديد من دولها, ولأن البعض يعول دائماً – أو ربما عادة – على نسيان الشعوب لتاريخها فالأولوية للحكام العرب الآن ليست الارتقاء بمستوى مواطنيها وإنما كيفية الحفاظ على عروشها وتصدير ما تراه من أزمات ملحة ومنها "الأمن" ومواجهة التطرف الذى ينتج بالأساس من التكلس فى شرايين الحياة السياسية العربية.

فمنذ ضعف السلطنة العثمانية فى القرن التاسع عشر بدأت الدول الغربية تُمسك بأطراف خيوط المنطقة العربية فى ظل رغبة محمومة من قبلها لمراكمة رأس المال وتطلع مواطنى تلك الدول للثراء, وهذا يُفسر المؤتمرات الكثيرة التى عقدتها الدول الأوروبية لمناقشة كيفية الانقضاض على إرث الدولة العثمانية فى هذا القرن, وللعلم فإن أمر الاستعمار لم يتضح مرة واحدة وإنما للعديد من النقاشات, فعلى سبيل المثال مسألة احتلال مصر أخذت الكثير من الجذب والشد بين القوتين العظميين فى ذلك الوقت فرنسا وإنجلترا حتى أقدمت الأخيرة على استعمارها.

ولولا ضعف الدولة العثمانية مقارنة بالقوى الأوروبية لما استطاعت الأخيرة الإقدام على ذلك , فحال العثمانيين فى القرن الخامس عشر يختلف تماماً عن حالهم فى القرن التاسع عشر, وبالتالى فقد أغرى ضعفهم الأوروبيين وجعلهم يتداولون فى أمر الدول العربية الواقعة تحت سيطرتهم, ولذلك فعندما نقرأ فى أيامنا هذه عن الاتجاه نحو تحالف صهيو – عربى فلسنا أمام خبر عابر نستطيع تجاوزه وإنما يجلعنا نحبس أنفاسنا عما عساه ستحمله الفترة القادمة.

وإذا كانت المنطقة العربية تشهد تحولاً ضخماً وتعثراً لمسيرة الإصلاح وانتكاسة حقيقية لتطلعات الشعوب الساعية نحو حياة أفضل, فإن ذلك على ما يبدو يُغرى الأنظمة – معظمها بالطبع -  بالذهاب بعيداً فى علاقاتها الخارجية بما يخدم مصالحها فى ظل خلط واضح للأوراق والاهتمامات, فبدلاً من أن يخرج علينا هؤلاء ليحدثونا عن كيفية الانتقال الفعلى لنظم انتخابية شفافة وديمقراطية حقيقية وأوضاع اقتصادية أفضل, تجدهم يتحدثون عن "الأمن" الذى هو بالأساس أمنهم, وكأن شعوبهم ترفض العيش فى استقرار وطمأنينة, ثم كيف للأمن أن يتحقق فى ظل كل هذا الظلم الذى نراه ونتابعه؟!

تراهن الولايات المتحدة والصهاينة على أن الأنظمة العربية لن تراجع شعوبها فى الكثير من القرارات المصيرية, لذلك فهم مطمئنون لنتائج جولاتهم ومفاوضاتهم نحو أى توجه يريدونه, لكن غاب عن هؤلاء أن التاريخ لا يتوقف عند اللحظة الحالية, وإذا وجدتم من يصافحكم اليوم فربما تجدون من يصفعكم غداً, وليست هذه دعوة متطرفة على أى حال.

ahmadibraim@yahoo.com

 صحفى بجريدة الأخبار المسائى

 

 

التعليقات
press-day.png