رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب عن يوسف صديق في ذكراه الثانية والأربعين: لَسنا أوغاداً

كنت دائماً ما أقف مُتَحيراً تؤرقني الهواجس أمام هذا الحادث المهيب.. كيف يمكن لعسكريٍ أياً كان حجمه و أياً كان موقعه أن يقع في شَرَك الحيرة بين حماس اللحظة المدفوع بمشاعر صافية نقية وبين الإلتزام بخطة تم الإتفاق عليها بجانبيها الحركي و الزمني، فيدفعه الحماس إلي أن يختار مخالفة الخطة ليضع رجاله ورفاقه بل والوطن بأكمله في مُخاطرة "غير محسوبة" يُحتمل أن تلقي بالجميع في المحرقة، فما بالك إن قام بالمخاطرة قائد بحجم الرجل الكبير الذي صقلت خبرته العسكرية ثقافة رفيعة و =بصيرة سياسية ناصعة تَوَجَها هو بمستوي نادرٍ من النزاهة و التجرد. للدقيقة الواحدة -بل و للثانية الواحدة- في عمر الزمن ثمن باهظ، فما بالك بستين دقيقة كاملة.. روايات عديدة صِيغَت لتفسير ما حدث لخصها كثير من المؤرخين تحت عنوان "الخطأ" الذي أنقذ يوليو 1952. مازالت الهواجس تؤرقني، فالصدفة (أو بالأحري "الخطأ" كما أطلقوا عليه في حكايتنا) لا تصنع تاريخاً و التاريخ يحتاج "تأريخاً" هو في طبيعته تفسير للأحداث يُكتَب بتأثير من عوامل و دوافع قد يعتريها نقص في المعلومات أو قد يكتنفها غرضٌ لأسباب قد تكون نبيلة و قد تكون غير ذلك، فلم أستسلم للذيذ خدر اليقين و رحت أبحث فيما جري سعياً وراء الحقيقة لتحري ما وُصِف "بالخطأ" الذي إرتكبه الرجل الكبير.

يروي اليوزباشي "عبد المجيد شديد" -و قد كان أركان حرب القوات التي حركها صاحبنا في تلك الليلة- لمجلة "الوادي" في أكتوبر 1982 موضحاً أمرين: الأول كان يتعلق بشائعة عن أن الرجل قبل تحركه مع قواته من معسكر الهايكستب كان قد ذهب إلي بار "باليميرا" لإحتساء كأسين من البراندي، و قد نفي السيد "شديد" هذه الشائعة حيث قال أنه كان قد صَاحَبه شخصياً إلي إحدي الصيدليات لحقنِهِ دواءاً لتَحَمُل آلام نزيف بالرئة مما يمكنه من أداء مهمته بالغة الخطورة التي يأبي أي عقل قبول أن يُقدِم صاحبها علي "السُكْر" قبل القيام بها بدقائق. أما الأمر الثاني الذي رواه السيد "شديد"، فقد كان متعلقاً باللُغز العظيم..هل خرج الرجل العسكري الملتزم مُبَكراً؟ يقول السيد "شديد" (و أنا هنا أنقل نَص ما قال حرفياً):"الأمر الثاني يتصل بساعة الصفر و هو يقتضي التوضيح حيث يمس خطة الثورة و قادتها و بعض ضباطها..وقد أبلغنا "زغلول عبد الرحمن" أن ساعة الصفر هي منتصف الليل تحركنا في الموعد تماما و معنا زغلول عبد الرحمن و عندما إلتقينا بجمال عبد الناصر و عبد الحكيم عامر علمنا أن ساعة الصفر هي الواحدة صباحاً أي بعد ساعة من تحركنا" (للإيضاح: كان اليوزباشي "زغلول عبد الرحمن" الذي أشار إليه السيد "شديد" هو ضابط الإتصال بتنظيم الضباط الأحرار و مهمة ضابط الإتصال في ليلة كهذه و في حركة كهذه هي مهمة لا تحتمل الخطأ أو سوء التقدير من جانب من يقوم بها و الذي ينبغي أن تتوافر به صفات أهمها الكتمان و أمانة النقل و الإيصال دون ذَرَةٍ من نقصٍ أو زيادة). إذن فقد تحرك الرجل الكبير في ميعاده بالضبط و هو ما ينفي عنه "خطأ" التبكير خاصة و أن ضابط الإتصال الذي نقل له ميعاد ساعة الصفر قد كان متواجداً معه وقت الإستعداد للتحرك ثم حين تحرك بالفعل (أنظر ما قاله السيد "شديد" أعلاه: "تحركنا في الموعد تماما و معنا زغلول عبد الرحمن"). يروي الرجل الكبير في الصفحة 101 من مذكراته إصدار الهيئة المصرية العامة للكتاب-1999: "و قابلت زغلول كثيراً بعد ذلك و بعد نجاح الثورة، فكنت أسأله عن حقيقة ساعة الصفر التي بلغها لي فكان يبتسم و لا يجيب...".

عندما سُئل الرجل الكبير الذي تحل ذكراه الثانية و الأربعين يوم الجمعة 31 مارس عما إذا كان قد راوده خاطر إعتقال رفيقيه "جمال عبد الناصر" و "عبد الحكيم عامر" -و قد إتيحت له هذه الفرصة بالفعل حين إلتقاهما في تلك الليلة إذ إستوقفتهما قواته التي كانت لديها أوامر بإلقاء القبض علي كل ضابط تعدي رتبة "البكباشي"- و يكمل وحده و قد لاحت بشائر النصر حيث يصير تحت يديه منفرداً مفاتيح حُكم مصر كَما حدثَ مع سَمِيِهِ التاريخي، فما كان ردُ الأسطوري "يوسف صديق" إلا أن قال بمنتهي عبقرية النُبل المُغرق في مروءة الأريحية:....."لسنا أوغاداً".

 

 

التعليقات
press-day.png