رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

د. محمد محفوظ يكتب: محنة أن تكون مختلفاً في مجتمع تقليدي

 

أن تسبح ضد التيار .

أن تُلقي حجراً في الماء الآسن الراكد .

أن تستجيب لوحي التجديد والعقل ، وتهجر وساوس التقليد والنقل .

أن تدير ظهرك للأصنام ، وتهيل التراب على الأوثان .

أن تجرؤ على ذلك .. فأنت في محنة .. قد يتهدد فيها اعتبارك .. ويتقلقل بموجبها استقرارك .. ويتبخر بلهيبها أمنك وأمانك .. بل وقد تخسر فيها حريتك وربما حياتك .

بالطبع هناك فرق .. بين أن تكون مختلفاً .. أو أن تكون جانحاً .

أن تكون مختلفاً ، فإن هذا يعني أن تختلف وأنت مسلح برأي أو فكر يساند هذا الاختلاف ويملك مقومات نقد الفكر المخالف له .

لكن أن تكون جانحاً ، فإن هذا يعني أن تختلف وأنت مسكون بالرأي والفكر الذي تخالفه ، ومن ثم لا تملك مقومات أي نقد أو مراجعة ، إنما مجرد رغبة في الجنوح بسبب ضعف بشري أو رعونة أو تهور أو معاندة .

من هذا المنظور ، منظور الاختلاف أو الجنوح ، يمكن تقييم فكر وسلوك الدكتورة / منى البرنس ، وتقييم سلوك الفتاة التي أطلق عليها الإعلام لقب : فتاة التحرش الجماعي بالزقازيق .

فالدكتورة / منى البرنس .. مدرس الأدب الإنجليزي بجامعة السويس ، كسرت أغلب التابوهات وتمردت على معظم المحظورات ، عندما نشرت مؤخراً على صفحتها الشخصية على الفيس بوك فيديو لها وهي ترقص رقصاً شرقياً أعلى سطح منزلها بمحافظة الفيوم . ونشرت من قبل ذلك صورها وهي ترتدي المايوه علي شاطئ البحر .

ولكن الأمر مع الدكتورة / منى .. لا يتعلق فقط بممارسات شكلية كالرقص والمايوه ، وإنما يمتد إلى مضامين كتاباتها الأدبية وترجماتها وأسلوبها في التدريس ، من خلال طرحها لموضوعات يراها البعض مثيرة للجدل تمس الدين والقيم والسائد والمألوف . ولذلك سبق التربص بها أثناء حكم الإخوان وتقديم بلاغ فيها بتهمة ازدراء الأديان .

تبدو الدكتورة / منى .. متصالحة مع نفسها باعتبارها ليبرالية على مستوى الفكر والممارسة ، تبتهج بالحياة وتسمح لعقلها بأن يناقش كل القضايا بلا قيود أو حدود مسبقة . لذلك هي مختلفة ، تخرج عن السياق ولكن مسلحة بفكر ومنهج يقودان سلوكها وممارساتها . كما إنها مستعدة لأن تدفع الثمن طالما كانت تفعل ماتراه حقاً لها .

وبالفعل فلقد أوقفت الجامعة الدكتورة منى عن العمل ، بحجة الخروج على التقاليد والقيم الجامعية ، وأحالتها لمجلس التأديب لكي تنال نصيبها من عقد وكلاكيع مجتمع يكره التجديد ويعبد التقليد  .

على الجانب المقابل ، فإن الفتاة التي كانت هدفاً للتحرش الجماعي بمدينة الزقازيق عقب خروجها من حفل زفاف بإحدى الصالات وهي ترتدي ملابس ضيقة وقصيرة ، تبدو هي الأخرى خارجة عن السياق .

وبالطبع لم يتكشف - حتى الآن - إن كان هذا الخروج عن السياق اختلافاً أم جنوحاً . فإن كانت ملابسها الضيقة القصيرة تعبيراً مسلكياً عن أفكار متحررة فهي اختلافاً . وإن كانت مجرد مظهرية جامحة أو استسلام لموضة صارخة فهي جنوحاً .

ولعل الواقع يؤكد بأن الاختلاف في المجتمعات التقليدية المنغلقة بأسوار عاداتها وتقاليدها مهما كانت حامضة او متعطنة ، يبدو استفزازاً وانفلاتاً وتبجحاً وانقلاباً على الثوابت والمطلقات .

بينما الاختلاف في المجتمعات المتقدمة المنفتحة على عقول كل أفرادها ، يبدو حافزاً وعاملاً مساعداً للتجديد والتطور والانطلاق .

الاختلاف في المجتمعات التقليدية قديمة كانت أم معاصرة - سواء كان على مستوى السلوك أو العلم أو الأدب أو المعتقد - لم يسلم  من محنته كل من قرر أن يختلف .

محنة الاختلاف شديدة قاهرة قاسية .. اختبرها على مستوى العلم والعقيدة " جيوردانو برونو " في العام الأخير من القرن السادس عشر ، عندما أعدمته حرقاً محاكم التفتيش التابعة للكنيسة بسبب أفكاره المناهضة للعقائد الكاثوليكية وإيمانه بنظرية لامركزية الأرض .

واختبرها من بعده " جاليليو " في القرن السابع عشر عندما أجبرته محاكم التفتيش أيضاً على إنكار إيمانه بذات النظرية القائلة بلا مركزية الأرض  .

واختبرها " داروين " في القرن التاسع عشر عندما نشر كتابه : أصل الأنواع .

وفي واقعنا المصري التاريخي والمعاصر ، اختبرها على مستوى الأدب والمعتقد " نجيب محفوظ " عندما نشر رواية : أولاد حارتنا . واختبرها مؤخراً على مستوى الأدب ومنظومة الأخلاق " أحمد ناجي " عندما نشر بجريدة أخبار الأدب فصولاً من روايته : استخدام الحياة .

واختبرها على مستوي المعتقد كل من : " الشيخ علي عبد الرازق " عندما نشر كتابه : الإسلام وأصول الحكم . و " طه حسين " عندما نشر كتابه : في الشعر الجاهلي . و " فرج فودة " عندما دفع حياته ثمناً لأفكاره وأفكار كتابه : الحقيقة الغائبة . و " الدكتور نصر حامد أبوزيد " عندما نشر كتابه : مفهوم النص دراسة في علوم القرآن . و " الدكتور سيد القمني " عندما نشر كتابه : رب هذا الزمان . و " إسلام بحيري " و " الشيخ محمد عبد الله نصر " اللذان غادر أحدهما سجنه وثانيهما حل محله خلف الأسوار بتهمة ينكرها الدستور ويعترف بها البرلمان .

كما اختبرها من قبل " قاسم أمين " عندما نشر كتابه : تحرير المرأة . واختبرتها من بعد " الدكتورة نوال السعداوي " عندما نشرت أفكارها وكتبها عن المرأة والجنس .

الخروج عن السياق - سواء أكان بالمسلكيات الصادمة أو الأعمال الأدبية الجامحة أو النظريات العلمية المتوثبة - يضع أي مجتمع أمام اختباره الحقيقي في مواجهة قضية : حرية الاختلاف . ذلك الاختلاف الذي تعترف به بعض المجتمعات فيصبح " نعمة " . وتحاصره بعض المجتمعات الأخرى فيصبح " نقمة ومحنة " .

وبالطبع ، ربما لا تقدم بعض صور الاختلاف أي فائدة للمجتمع . ولكن حتماً فإن أغلب صور الاختلاف تفيد المجتمع وتساهم في تطوره أو بالأحرى تحرره .

تجربة المجتمعات المتقدمة تثبت بأن عدم سد صمامات الاختلاف في كيانها كان السبب في تقدمها واستقرار بنيانها . وبالطبع العكس كان دوماً صحيحاً ونتائجه وخيمة ومدمرة .

محنة أن تكون مختلفاً في مجتمع تقليدي هي محنة يدفع عدد من الرواد ثمنها باهظاً ، ثم يجني الكثير من الناس بعد زمن ثمارها .

ولذلك ستظل بعض المجتمعات تتجمد حركتها وتتحجر الدماء في عروقها ، طالما يغيب عن نخبتها سؤال وحيد ولكنه فريد .. مضمونه :

هل أستدير وأسير معهم .. أم أظل سائراً بمفردي عكس الاتجاه ؟؟؟؟

*****

هوامش :

- لينك : قصة الهجوم على د.منى البرنس لـ«نشرها البهجة» على صفحتها : أحالوها للتحقيق بعد وصلة من التشهير .. «خايفة أروح الجامعة»

http://albedaiah.com/news/2017/04/05/133147

- لينك : الفيديو الراقص للدكتورة منى البرنس

https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=10154480963908581&id=652613580

- لينك : صور الدكتورة منى البرنس بالمايوه

https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=10154480871658581&id=652613580

- لينك : إحالة منى برنس مدرس الأدب الإنجليزي بجامعة القناة للتحقيق بتهمة ازدراء الأديان . بتاريخ ٣٠ إبريل ٢٠١٣ .

http://www.elwatannews.com/news/details/173974

- لينك : صور أغلفة كتب الدكتورة منى البرنس

https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=10154312039788581&id=652613580

لينك : «التحرير» تنفرد بنشر أول فيديو لواقعة التحرش الجماعي بـ«فتاة الزقازيق»

https://www.3yonnews.com/1100585

*****

dr.mmahfouz64@gmail.com

 

التعليقات
press-day.png