رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

أحمد بهجت صابر يكتب: حال أهل تونس

بينما كنت أمر سريعاً على قنوات التليفزيون وقعت عيناى على برنامج " جمهورية الثقافة" بالفضائية التونسية الوطنية الأولى(حكومية), وكان يناقش موضوعات عدة ومن ضمنها تعليق الحاضرين حول واقعة رقص السفير الفرنسى بتونس فى إحدى المناسبات منذ أقل من ثلاثة أسابيع, فقالت المحامية منية العابد أن هذا يندرج تحت "حرية الرقص".

كلمة الحرية التى فقدت معناها خلال عهدى الرئيسين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن على, أصبحت ذات مغزى ودلالة بعد أن أحرق محمد البوعزيزى نفسه فى مدينة سيدى بوزيد لتندلع بعد ذلك الثورة فى بلاده ومن ثم دول عربية أخرى لأسباب كثيرة لعل من أهمها من وجهة نظرى أن الحرية أصبحت مطلباً كالماء والهواء.

الأخبار التى تأتينا من أرض جامع الزيتونة تشعرك بأن التوانسة مستمرون بشكل أو آخر فى ثورتهم ولكن فى إطار من ضبط النفس والتوافق بين القوى المجتمعية والسياسية, وما من شك أن عوامل كثيرة أنتجت المشهد الحالى من أهمها بالضرورة حيادية المؤسسة العسكرية والزخم الثورى الذى دفع فى اتجاه صحيح فى كثير من المنعطفات الحرجة بالإضافة – وهذا جانب مهم جداً – التطورات الاقليمية المحيطة.

المشهد الحالى الذى نتابعه ليس وليد اللحظة بالطبع, فالحركة الوطنية التونسية تعود إلى القرن التاسع عشر وشهدت شخصيات بارزة فى مسيرة العمل الوطنى كما أن النضال ضد الاستعمار الفرنسى وجد إطاراً سياسياً جامعاً تمثل فى الحزب الدستورى بنسختيه القديمة والجديدة, ناهيك عن أن تونس كوحدة سياسية قديمة مما يعطى صورة عن اعتزاز التوانسة بماضيهم ومستقبلهم.

تكمن المشكلة فى التطور التونسى الحالى ليست فقط فى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والتنمية الانتقائية التى أتبعها نظام بن على ووجود بعض المتطرفين, وإنما فى وجود تلك "الأصوات المتطرفة" التى تريد جر بلادهم إلى المربع صفر ربما لاستفادتهم من الحالة التى عاشتها قبل ثورة 2011 أولارتباطهم بشبكات مصالح فيما بينها هددت الثورة مصالحها, بالإضافة لحالة العداء بين التيارين العلمانى وأصحاب التوجه الإسلامى.

ربما تكون الثورة قد نجحت فى الإطاحة برأس النظام والشروع فى عملية سياسية واجهت لحظات شديدة الصعوبة, لكنها – على ما يبدو – لم ترسخ حتى الآن قيم وثقافة الاختلاف والديمقراطية والتى تحتاج للمزيد من الوقت لاستيعابها, لذلك فليس من قبيل المصادفة أن تقرأ وتشاهد من يتغنى بتلك الأيام التى عاشها فى عهد بن على, لا لشىء وإنما لرفضه سير الأمور نحو الأفضل.

لست فى معرض الحديث عن "فلول" تونس والثوار "فأهل تونس أدرى بها", لكن البناء على المكتسبات التى تمت حتى اللحظة وكان من أبرزها صدور دستور 2014, والعمل الذى قامت به "هيئة الحقيقة والكرامة" من ترسيخ لمفهوم العدالة الانتقالية, فقد شاهد التوانسة ضحايا العصور السابقة على شاشات التلفزيون يروون معاناتهم, كما أن الساحة السياسية تشهد من آن لآخر ميلاد حزب جديد, كل ذلك سيراكم إرثاً ستشكر الأجيال القادمة من التوانسة ما فعلوه آباؤهم من أجلهم.

النجاح الذى حققته ثورة تونس فى العبور من منعطفات خطرة يضع أساساً طيباً لمستقبل أفضل وتبقى الرغبة والإرادة السياسية خير شاهد على ترجمة ذلك لمكتسبات اقتصادية واجتماعية, فما زال الفساد هناك يضرب أركان مؤسسات الدولةوبحاجة لجهد مواز للسياسة التى توافق عليها الفرقاء, ومن الخطورة بمكان حصر المواجهة والصراع على تداول السلطة فى خانة (العلمانى/الإسلامى) فمن شأن ذلك أن يستغرق العديد من الوقت دون طائل خاصة مع اتجاه بعض أحزاب التوجهات الإسلامية فى المغرب العربى نحو مرجعيات أكثر أخلاقية والبعد عن الطوباوية والأيديولوجيا.

مرة أخرى أود التأكيد على خطورة تلك الأصوات التى تتربص بالجمهورية التونسية الثانية, فالمتطرفون سواء أياً كان الجانب الذى يقفون فيه.

ahmadibraim@yahoo.com

 صحفى بجريدة الأخبار المسائى

 

 

التعليقات
press-day.png