رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

محمد أحمد فؤاد يكتب: ترنيمة الموت.. بصوت العرب!

المشهد العربي صار مفجع ومخجل إلى أبعد الحدود.. ولا مناص من أن الحكام العرب خذلوا شعوبهم وقضاياهم جميعاً، ولا أبالغ هنا حين أحسبهم راهنوا جميعاً على مصائر ومستقبل البسطاء من شعوبهم في مقابل احتفاظ مؤقت بمقاعد السُلطة الوثيرة والتوريثية التي لا يمنح صكوكها إلا الأقطاب الأقوى بين عصابات سادة العالم..

من تابع المشهد المهترئ للقمة العربية الأخيرة في الأردن، وما تمخض عنها من بيانات هزيلة ومثيرة للشفقة، بحضور أصحاب الجلالة والسمو والفخامة والمعالي حكام جميع الدول عدا سوريا التي ربما لم تعد تعي من سيمثلها في المستقبل..! سوريا التي خلف مقعدها الخالي فراغاً محزناً داخل قاعة الاجتماعات الفاخرة على شاطئ البحر الميت، فإنبعثت منه رائحة البارود والدم والخراب مختلطة بمفردات الخيانة وعار النخاسة الذي اعتدناه من حكامنا في الملمات الصغرى والكبرى التي باتت تداهمنا على مدار الساعة..!

هل يجدي دس الأصابع في الأذان وإغماض العيون عن رؤية الحقيقة المخيفة لهزال الوطن العربي على يد حكامه..؟  حصار ودمار الشرق الأوسط بات مفضوح النتائج، حصرياً وبتمويل عربي/ عربي تتسلبق دول الخليج وغيرها في الحصول على صفقات سلاح متطور لم توجه منه رصاصة واحدة تجاه العدو الحقيقي حتى الأن.. العراق محسوم مصيره مسبقاً، وبهدوء يتم إعادة ترسيمه فعلياً ليصير ثلاث كيانات عرقية  بين سُنة وشيعة وأكراد في طريقها لتصبح دولاً مكتملة الهيئة قريباً، وسوريا  واليمن كما يبدو تتحركان إلى نفس المصير لكن المسألة مازالت عالقة بين قطبي الصراع روسيا والولايات المتحدة الأمريكية.. كم كنت أود أن اجد ملمح واحد إيجابي في هذه القمة لأشير إليه في تلك السطور، لكنها كالعادة لم تأتي بجديد..

هذا وبعد عدة جولات شرق أوسطية متبادلة لرؤساء وزراء دول عربية في أعقاب قمة البحرالميت تلك، وكذلك زيارات رسمية بعضها متزامن قام بها أمراء ملوك ورؤساء عرب إلى واشنطن للتقديم فروض الولاء والحصول الرضا السامي، تأتي الحقيقة المفجعة التي حاول الجميع تفاديها منذ قدوم الأشقر المثير للجدل دونالد ترامب إلى البيت الأبيض عن همجية الرجل, والتي لا تختلف كثيراً عن همجية أسلافه جميعاً، تلك الحقيقة تتلخص في قنابل االشر التي أطلقها الرجل على سوريا غير مكترث بأن تقتل من تقتل وتشرد من تشرد بدعوى قصف قوات نظام الأسد التي ترتكب المذابح بشكل يومي وبدم بارد،   الحق أنني لم أطرب للرواية المتداولة عن أن بشار الأسد أمر بإستخدام غاز السارين في هجوم لسلاح الجو السوري على قرية خان شيخون في محيط إدلب..! فماذا تراه سيجني جراء هذا الهجوم وهو حالياً  في أسوأ موقف عرفه منذ وفاة سلفه، وحياته شخصياً باتت مهددة أكثر من ذي قبل مع تعاظم الضغوط على نظامه القمعي..! إن إثبات جريمة كتلك ربما سيحتاج للكثير من الوقت لأجل توفير الأدلة والبراهين، ولا أحد من أبناء الشعب السوري يملك رفاهية الوقت أو حتى أدوات البحث، لهذا ليدخل الجميع في دائرة الاتهام إلى أن يثبت بما لا يدع مجال للشك أنه الفاعل الحقيقي، وأنا لا أدافع هنا عن الأسد ولا أعبأ بمصيره، لكني أخشى أن منظومات السلاح الكميائي موجودة في حوزة أطراف الصراع كافة على الساحة السورية وغيرها، بل هي توجد أيضاً لدى جيش الاحتلال الصهيوني الذي لا يبعد سوى بضعة كيلومترات قليلة عن الأحداث وأظنه متورط كغيرة من دول الجوارالعربي والإيراني والتركي التي تمتلك هي الأخرى نفس السلاح المفترض تحريمه دولياً، لكن للعجب والدهشة وربما سخرية القدر يمتلكه الجميع..!  وإلا بماذا نفسر الحملة الشعواء من الصحافة العالمية في العموم، والأمريكية والإسرائيلية على وجه الخصوص، والتي أعقبت تصريحات ترامب أثناء مؤتمره الصحفي مع العاهل الأردني بأنه ضاق ذراعاً بما يحدث في سوريا، وبما يرتكبه بشار من مذابح هناك.. ثم تلتقط الخيط سفيرة الولايات المتحدة لدى مجلس الأمن نيكي هايلي لتقول " كم من الأطفال يجب أن يموتون بهذه الوحشية حتى يستثير هذا نخوة روسيا..؟ "

إن لم أكن مبالغاً، فترامب هو المستفيد الأول على المستوى الشخصي من هجمة غاز السارين الأخيرة، فبها يستطيع تدعيم وتبرير قراراته الرعناء التي لا تخرج عن كونها امتداد طبيعي للسياسة الأمريكية المتبعة في الشرق الأوسط منذ حرب الخليج الأولى، وعن طريقها يستطيع الحصول على قدر غير قليل من تأييد شعبي داخلي بين الأوساط التي باتت تنتقد لقاءاته مع قيادات لا تحظى بمكانة جيدة داخل الأوساط الأمريكية، كما أنه سيدشن بها حملته لإستعادة مقاليد الأمور والإمساك بمفاتيح اللعبة إذا ما استطاع كسر شوكة الغريم الروسي الصلب الذي ربما ارتبكت حساباته قليلاً مؤخراً، وأظنها أيضاً ستساعده كثيراً في إضفاء مصداقية زائفة على مناوراته في أسيا الصغرى لا سيما باكستان وأفغانستان، وكذالك في بحر الصين حيث تمارس الولايات المتحدة التحرش السياسي الممنهج ضد الصين وكوريا الشمالية..!

يبقى لدينا المقطع الأخير من ترنيمة الموت التي تتغنى بها الشعوب العربية من جراء سقطات حكامها.. فقد دأبت وسائل الإعلام العربية على تضخيم وتفخيم الأحداث بشكل مثير للسخرية.. فيتم تصوير زيارة ولي ولي العهد السعودي الأخيرة لواشنطن على كونها فتحاً مبيناً في العلاقات بين البلدين، بينما الأمر لا يزيد عن كونه تجديد تقديم فروض الولاء والطاعة في مقابل إعتراف رجل البيت الأبيض الجديد بالفتى الشاب كوريث شرعي للعرش السعودي، وكذلك وفي سياق أخر صورت بعض وسائل الإعلام المصرية زيارة لرئيس عبد الفتاح السيسي وكأنها نهاية لموجة الفتور التي أصابت العلاقات المصرية الأمريكية مؤخراً، لكن الأمر لم يخرج عن الإطار البروتوكولي فقط ومحاولة تجديد بنود الشراكة الاستراتيجية المحدودة بين البلدين.. وهنا لا أستطيع أن أخفي حزني على المستوى لشخصي من مشهد تصوير الرئيس المصري واقفاً خلف دونالد ترامب الذي جلس إلى مكتبه بينما رئيس مصر يقف خلفه لما تحمله صورة كتلك من معاني التبعية والخضوع في الوقت الذي تتطلب فيه زيارة كتلك بعض سمات الندية حفاظاً على كرامة وهيبة الدولة، وكذلك لكي تحظى بتأييد شعبي مناسب..

أعود أخيراً سوريا التي ستكون الشعلة التي تحرق كافة العروش العربية بمجرد سقوطها في فخ التقسيم.. أما الحكام العرب ممن تراجعوا عن المسؤلية تجاه أبناء الشعب السوري وساهموا بصمتهم أو بتواطؤهم في مأساته، عليهم أن يعيدوا حساباتهم مرات أخرى بعد أن أخلوا الساحة طواعية لصراع الكبار أملاً في ألا تحترق بلادهم..  ميراث الشرق الثمين يبدو وأنه صار ترنيمة موت تتغنى بها شعوب العرب أسفاً على ما كان..!     

 

 

التعليقات
press-day.png