رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب: فنجان قهوة في حضرة سامي حواط

قلب "بيروت"..شارع "الحمرا" الذي سُمي بهذا الإسم نسبة إلي "آل الحمرا" الذين نزحوا من البقاع و إستوطنوا المنطقة كما تروي بعض الروايات..يحلو لي التسكع علي رصيفَي "الحمرا" ذهاباً و إياباً، صيفاً و شتاءاً..أبدأ تسكعي بالمكتبات من صوب مصرف لبنان المركزي و أنهيه بها في الصوب الآخر حيث كنوز الكتب حديثها الطازج و عتيقها النادر..دائما ما أدلف يميناً و يساراً حيث شوارعه الجانبية التي تصله بشارع "بلِس" الموازي "للحمرا" و الذي يقع فيه مبني الجامعة الأمريكية و قد سُمي بهذا الإسم تخليداً لذكري "دانيال بلِس" أحد مؤسسي الجامعة الأمريكية ببيروت في أواخر القرن التاسع عشر. أثناء تسكعي هذه المرة بين "الحمرا" و "بلِس" وقعت عيناي علي أحد المحال البسيطة التي تبيع أسطوانات الموسيقي..دخلت المحل بلا تردد..
• لو سمحت فيه عندك أعمال لسامي حواط.
• بدك إياه شخصي و إلا إسطوانات.
• إسطوانات لكن لو ممكن أشوفه شخصياً يبقي هايل.
• و لو، بس دقيقة إذا بتريد (أمسك بالهاتف و إتصل برقم ما)..إيه "سامي"، كِيفَك..فيه هون شاب مصري (كريمٌ كان الرجل إذ وصفني بالشاب) بدو يشوفك. أوكي نصف ساعة، ثم إلتفت إليَّ قائلاً: إذا بدك شرف شوف الألبومات حتي ما يجيي. هو راح يكون هون بعد نصف ساعة. 
• مين؟ سامي حواط؟
• إيه إيه..هو بس بدو نصف ساعة..هو ساكن هون بالحمرا.
أمضيت نصف ساعة بالمحل أتنقل بين الأسطوانات النادرة عملاقة الحجم التي تعمل علي الجراموفون التاريخي و تلك المُدمجة التي تعمل علي الأجهزة الحديثة. تطالعك بغير ترتيب إلي "اليسار" أعمال سامي حواط و زياد رحباني و جوزيف صقر و أحمد قعبور و مارسيل خليفة ثم تانيا صالح و ريم بنا و غادة شبير و أميمة خليل و خالد الهبرفإسكندريللا و مريم صالح و زياد سحاب. في "الوسط" لا تخطئ عيناك فيروز و وديع الصافي و نصري شمس الدين و صباح و فريد الأطرش و محمد عبد الوهاب و منصور رحباني و هبة طوجي. إلي اليمين قليلاً تختلط أسطوانات بلاسيدو دومينجو وأندريا بوتشيللي و بيتهوفن و موتسارت و باخ و ليست بأسطوانات ديميس روسوس و شارل أزنافور و موستاكي و جيلبير بيكو و فرانك سيناترا.
مضي الوقت سريعاً جداً..نصف ساعة بالثانية و إذا بالعملاق داخلاً بلحيته و شعره الطويل ناصعي البياض مُعتَمِراً البيريه الشهير مُرتدياً جاكيت عادي من الصوف و علي كتفه حقيبة جلدية صغيرة..يحتضنني بترحاب إستثنائي و كأنه يعرفني منذ زمن رغم أن هذا كان أول لقاء لي معه و لن يكون الأخير..تداع إلي ذهني رأيته "لا تسألني عن ديني" و "ريتو القمر" و "إستشهادك جيفارا" و "نشيد التعب" و "العامل المصري" و نزلي جفونك" و "الرأي العام" و "بيروت الكبري" و "سوق الخياطين".  وسط ترحاب عذب زَيَنَهُ بإبتسامة عبقرية لم تبارح وجهه الذي يشبه إلي حد كبير وجه العبقري المصري "شفيع شلبي"، دارت بيننا حوارات في الفن و السياسة ثم في المجتمع و الإقتصاد..من الشيخ سيد درويش و بيرم التونسي و أحمد فؤاد نجم و الشيخ إمام و زين العابدين فؤاد إلي جمال عبد الناصر و كارل ماركس..من تجربته مع زياد رحباني إلي حكايته بالمسرح الريفي..تغير الجميع إلا صاحبنا الذي تشعر به شاباً رغم ما يُزين وجهه من بياض مفرق و لحية..مازال همُه الأول هو الإنسان، فلا معني للنظرية إن ظلت حبيسة دفتي الكتاب دون ممارسة..مازال رغم الزمن -بل و ربما بسبب الزمن- يسعي من خلال الفن و الثقافة إلي إعادة قيم الإنسانية المجردة التي فككتها حداثة الإستهلاك و التجارة بالفن..يري –و هو الزاهد الأكبر- أن الترفع عن صغائر الحياة يبعث في الروح صفاءاً يدفع لنقاء الفكر مما يحقق للإنسان مكانته و فردانيته.
ودعته و جَمّعُ الصدفة البديع ("يوسف" صاحب المحل رفيع الثقافة و "نجا" مدير نادي لكل الناس الثقافي) علي أمل بلقاء آخر -تمنيناه بالقاهرة- بعد ساعة مضت كومضة عابرة في عمر الزمن إنتهيت خلالها من أطيب فنجان قهوة ببيروت- أبريل 2017 في حضرة "سامي حواط".
 
التعليقات
press-day.png