رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب: «داعش» الآخر

في الوقت الذي تنشغل فيه النُخَب السياسية اللبنانية بأزمة قانون الإنتخابات التشريعية، تدور في الأروقة ما بين بيروت وواشنطن أزمة أخري ذات طبيعة مختلفة لكنها تحمل ظلاً سياسياً ثقيلاً جداً. تعاني المالية اللبنانية من مصاعب هيكلية متأصلة تتمثل –كحالتنا بمصر- في النمط المبني علي إقتصاد الخدمات و الإستهلاك، و أزدادت تلك المعاناة حدةً بسبب الأزمة السورية، إذ وصل عدد المهجرين السوريين في لبنان إلي مليون و سبعين ألف نسمة حسب إحصاءات 2016 و هو ما يقترب من رُبع عدد سكان لبنان..طالعت بنفسي مخيمات إيوائهم علي تخوم "زحلة" مدينة الخمر و الشعراء التي كتب "أحمد شوقي" فيها "يا جارة الوادي" و التي تبعد عن دمشق بنحو 52 كيلومتراً تقطعها السيارة في نصف ساعة فقط. ظروف معيشية بالغة الصعوبة تلقي بعبء ضخم للغاية علي مالية لبنان الصغير و هو ما فتح شهية سماسرة الحروب و صانعي المجاعات و تجار آلام البشر لمزيد الدم و المال بإستغلال تلك الفرصة السانحة للضغط علي لبنان الذي يرقد –من الأساس- علي صفيح سياسي ساخن بفعل طائفية تشتعل نارها تحت الرماد.

دائماً ما كان يساورني هاجسٌ أطرده من ذهني مُقاوماً تطوره من مجرد هاجس عابرٍ إلي تساؤل مُلِح لكن ما طالعته بعيني رأسي عَبَرَ بالهاجس حدود التساؤل فألقي به ناصعاً إلي سطح العقل..كيف يعبث "داعش" كل هذا العبث بسورية واقفاً عند الحدود لا يتعداها موَسِعاً دائرة دماره إلي لبنان و هو الأقرب جغرافياً من مناطق نفوذه و الأسهل بحُكم عمق التركيبة الطائفية للسكان و هزال الإمكانات المالية للإقتصاد و ضعف البناء العسكري للجيش عدة و عتاداً. ربما حَالَ ما تجرعه اللبنانيون من ويلات الحرب الأهلية 1975-1990 دون ذلك..ربما وقفت الحالة الثقافية اللبنانية المنفتحة نوعاً ما عائقاً دونه..ربما لم يُعطِ إله الدم الدولي و حلفاؤه الإقليميون من "آل سعود" و باقي ممالك الشر بمنطقتنا المنكوبة الضوء الأخضر لذلك بعد. دائماً ما كنت أقف عند حدود "الربما" إلي أن علمت بأن مفاوضات تجري هذه الأيام في واشنطن بين صندوق النقد و البنك الدوليين من ناحية و بين السلطات النقدية و الإقتصادية اللبنانية من ناحية أخري يضغط فيها الصندوق و البنك لأجل دمج المهجرين السوريين بشكل دائم في سوق العمل اللبناني كشرط أساسي لمنح لبنان تمويلات جديدة لعلاج إختلالات الموازنة و للإنفاق علي تطوير البني التحتية..يبدو الأمر في ظاهِرِه إنسانياً رحيماً لكن في باطنه العذاب، فالتشغيل الدائم يؤدي إلي الإستقرار، و الإستقرار ينتهي بالتوطين، و التوطين (لمليون و سبعين ألف نسمة وسط أربع ملايين آخرين) يعني حدوث تغيير ديموجرافي هائل يرسخ هشاشة التركيبة السكانية/الطائفية في لبنان و يزيد من سخونة الصفيح السياسي الذي ترقد عليه من ناحية و يفرغ المجتمع السوري المنهار -بفعل الدمار و الرعب- من أهم مقومات تماسكه من ناحية أخري..تلك هي الحكاية إذن.

 تنقسم وسائل تدمير مجتمعاتنا الهشة بفعل القمع و القهر و الفساد، إلي نوعين يشرف عليهما إله الدم الدولي و يقوم بتمويلهما حلفاؤه الإقليميون من ممالك الشر: التدمير المباشر بالموت قصفاً و يمارسه "داعش-الدم"، و التدمير غير المباشر بالموت فقراً –أو إفقاراً إن شئت الدقة- و يمارسه "داعش-المال"..هناك "داعِشَين" إذن ذهب أحدهما حاملاً قذائفه إلي العراق و سورية، و توجه الآخر حاملاً دولاراته إلي مصر و لبنان و من يدري أين عساها تكون محطته التالية. يضغط "داعش-المال" اللئيم علي بيروت للمعاونة في تغيير ديموجرافي يمهد لجيران جدد لإسرائيل يكونوا منزوعي القوة و بالتالي يضمن تفوقها الكاسح إلي الأبد كما ضغط علي القاهرة لتسليم "تيران و صنافير" كي يضمن أيضاً لإسرائيل التحكم في المضايق.

إنه "داعش" الآخر الأشد فتكاً من شقيقه التقليدي..إنه "داعش-المال" فإحذروه إن كنتم لمصالحكم مُدركين.

 

 

التعليقات
press-day.png