رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

حسام مؤنس يكتب: ترسيخ قواعد دولة الإستبداد

 

ربما يتكشف غدا أو بعد غد بحد أقصى رد فعل القضاة تجاه الإلتزام بإرسال ترشيحاتهم لرئاسة الهيئات القضائية إلى رئيس الجمهورية ، حيث يحل موعد الحد الأقصى المقرر قانونا وفقا لتعديلات قوانين الهيئات القضائية الذى أصدره الرئيس بعد موافقة البرلمان عليه ، وهو ما إذا قرر القضاة أو بعض هيئاتهم عدم الإلتزام به على الأقل بسبب ضيق الوقت الذى قد لا يمكنهم إجرائيا من إتخاذ القرار أو حتى كنوع من الموقف الإحتجاجى ضد القانون ، رغم أن ذلك يمنح عمليا الرئيس حق إختيار رؤساء الهيئات التى تنتهى مدة رؤسائها الحاليين فى نهاية يونيو المقبل .

ورغم عدم وضوح الموقف حتى الآن حول ما قد يقوم به القضاة فى الفترة المقبلة إزاء القانون ومعارضتهم له ، فى ظل تصريحات متضاربة ومحاولات تهدئة وعدم بلورة خطوات محددة حتى الآن ، وهو ما قد يتضح خلال الساعات أو الأيام المقبلة ، بدءا من الدعوة لإستقالات ، أو قرارات بعدم الإشراف على الإنتخابات ، أو الدعوة لجمعيات عمومية ، أو الإكتفاء بالمسارات القانونية بدعاوى البطلان الدستورى للقانون .. ومع كل ذلك ، إلا أن الرئيس لا يزال بيده تجاوز هذه الأزمة ولو بشكل مؤقت إلى حين الفصل فى دستورية هذا القانون ، وإثبات أنه ليس مقصودا به إزاحة أسماء بعينها أو عدم إحترام إستقلال السلطات القضائية فى إختيار رؤساء هيئاتها ، وإن كان ذلك لا يبدو إحتمالا يمكن الرهان عليه عمليا ، فى ظل أداء هذه السلطة فى مجمل القضايا وبما فيها أزمة هذا القانون الذى سارع الرئيس لإصداره رغم مناشدات القضاة له ، وكذلك فى ظل ما يبدو مؤكدا أن هذا القانون صدر برضا رئاسى كامل ، رغم تبريرات البعض ممن يسمونهم فقهاء دستوريين وقانونيين بأن التعديلات الجديدة منحت الهيئات القضائية سلطات أوسع وضمانات أكبر مما كان منصوصا عليه فى القوانين الحالية بالفعل ، ورغم أن ذلك قد يبدو صحيحا نظريا ، إلا أنه يتجاوز العقل إلى درجات غير محدودة ، ليجعلنا نسأل أصحاب هذه المقولات حول تفسيرهم لأسباب إصدار مثل هذا القانون والإصرار على تمريره بهذا الشكل فى الوقت الحالى ، وبشكل منفصل حتى عن تعديلات شاملة لقوانين السلطة القضائية بشكل عام ، ولماذا لم يمارس الرئيس إذا صلاحياته وفقا لما هو قائم بالفعل إذا كان ذلك دقيقا ، وما أسباب المعارضة الواسعة من القضاة لهذه التعديلات إذا كانت حقا تقدم لهم ضمانات أوسع عمليا وليس فقط بالنصوص .. والحقيقة أنه رغم ذلك فلم نشهد أبدا فى عهود كنا نتصورها أكثر إستبدادا ممارسة للنصوص التى كانت قائمة والتى كانت تمنح الرئيس حق التعيين بعد أخذ رأى الهيئات القضائية ، ولم نشهد عدم إحترام رأى الهيئات القضائية بل كان ما نشهده دائما هو أن القرار إجرائيا يصدر من الرئيس بمن تقدمه وتقترحه هذه الهيئات ، ولو من باب الحفاظ شكليا على فكرة إستقلال القضاء والفصل بين السلطات .

ورغم أهمية أزمة قانون رؤساء الهيئات القضائية ودلالاتها ، وما يمثله من عصف بمبدأ إستقلال القضاء ، إلا أنه فى الحقيقة لا يمكن فصله عن سياق أعم وأشمل ، وبما فى ذلك ما جرى تمريره وإصداره من تعديلات تطيح بالكثير من الضمانات القانونية للعدالة فى تعديلات قوانين الإجراءات الجنائية ومحكمة النقض وقانون الطوارئ ، بل وكذلك قانونى الكيانات الإرهابية ومكافحة الإرهاب اللذين شهدا أنهما يتم تطبيقهما وتوجيه الإتهامات إستنادا لهما فى حالات وقضايا لا علاقة لها بالإرهاب بينما تعجز عمليا عن أن تكون أدوات فاعلة فى المواجهة الحقيقية المطلوبة مع الإرهاب وتنظيماته ، وربما لو كانت تلك القوانين جزءا من معركة القضاء دفاعا عن إستقلاله وكذلك عن ضمانات القوانين للعدالة لكانت المعركة أوسع وأهم ، إلا أن ذلك للأسف لا يبدو متوقعا .. ولا نعتقد أنه يمكن لأحد أن يدعى بأن القضاء مستقل تماما ويمارس ذلك فعليا حتى وإن ترددت الشعارات كثيرا حول ذلك ، سواء من حيث النصوص أو من حيث الممارسات ، كما لا يمكن لأحد أن يكون راضيا تماما عن أداء منظومة العدالة فى مصر بالذات فى السنوات الأخيرة التى بدت خاضعة فى كثير من الأحيان لتجاذبات وتوازنات سياسية لا يفترض أبدا أن تكون جزءا من العوامل المؤثرة على منظومة العدالة ، بل وشهدنا فى بعض الأحيان ممارسات تتجاوز نصوص القوانين التى يفترض أن القضاء يحكم وفقا لها وإلتزاما بها ، وبالتأكيد فقد تعرضت مؤسسة القضاء لما تعرضت له كافة مؤسسات الدولة على مدار العقود الماضية دون إستثناء ، وربما يكون ذلك كله جزءا من المشهد الحالى الذى يبدو فيه القضاة غير قادرين على توحيد موقفهم وإتخاذ خطوات محددة فى مواجهة ما يجرى ضدهم الآن ، لكنه كذلك يبدو جزءا من تفسير أسباب التراجع الواضح فى الحالة السياسية والشعبية التى كانت حاضنة لتحركات سابقة لمواقف مدافعة عن إستقلال القضاء مثلما جرى فى عهد مبارك ، ورغم أنه قد لا يبدو مبررا كافيا لمثل هذا التراجع المزرى فى وضع القوى السياسية والديمقراطية والشعبية بشكل عام ، إلا أنه لا بد من التوقف أمامه ومراجعته وتدقيقه إذا شئنا بالفعل أن نصارح أنفسنا ، ويضاف له دون شك ما يتعلق بالأوضاع السياسية العامة والتضييق الكامل على مساحات الحركة والحريات والتعبير عن الرأى ، وإن كان ذلك كله لا ينفى بالتأكيد أهمية هذه المعركة ضد القانون وأن تتطور لتأخذ أساليب قانونية وسياسية متعددة ، لأن مسألة إستقلال القضاء ، مثلها مثل حرية الصحافة ، وغيرها من الشعارات الأساسية لأى دولة ديمقراطية مدنية حديثة بالفعل ، لا تتعلق فقط بأهل هذه القطاعات والمهن ، وإنما تتعلق بضمان حق المجتمع ومواطنيه بشكل أعم وأشمل .

القانون الأخير يأتى أيضا فى سياق أعم يبدو واضحا من مجمل الممارسات القائمة فى ظل السنوات الثلاثة السابقة ، التى تبدو مستهدفة بوضوح للسيطرة والهيمنة الكاملة على كل المؤسسات والسلطات والأدوات دون إستثناء ، بدءا من تهميش وتشويه الأحزاب والقوى السياسية وتقييد حركتها ثم العودة لسياسة إختراق بعضها وإثارة الأزمات والنزاعات الداخلية كما شهدنا مؤخرا فى واحد منها على سبيل المثال لا الحصر ، ومرورا بإختيار رؤساء الجامعات من الرئيس ، وتجميد الإنتخابات الطلابية ، ثم منح الرئيس حق إختيار رؤساء الهيئات الإعلامية ، التى يقول أحد رؤسائها فى حوار صحفى أخير أنها مستقلة عن السلطة التنفيذية تماما ، ومع ذلك يعلن أنه عقد إجتماع مشترك لرؤساء تلك الهيئات مع مندوبين من الرئاسة لإختيار رؤساء المؤسسات الصحفية القومية !! وأضف إلى هذا كله حصار الجمعيات الأهلية والمراكز الحقوقية الذى تم بالأمر الواقع وبالقضايا المفتوحة قبل أن يصل إلى مرحلة القانون الذى لا يزال معطلا ، وتقييد النقابات العمالية المستقلة ، والصدام مع النقابات المهنية لتسير على الخط المرسوم أو يحشد ضد قياداتها التى لا تقبل بما تريده السلطة وتلفق لهم الإتهامات والقضايا . وهو سياق لا يمكن الإنفصال عنه فى النظر إلى قضية قانون إختيار رؤساء الهيئات القضائية الأخير ، ليتأكد أن الأمر فى مجمله ليس سوى بناء دولة إستبداد فردية جديدة وترسيخ قواعدها والتحسب بتقنين ممارساتها من أى تهديد لاحق لتلك القواعد .

لكن ولأن الشيطان يكمن فى التفاصيل ، فقد يبدو التدقيق فيها أخطر من السياقات العامة التى تبدو واضحة ، فالتساؤلات حول علاقة هذا القانون وتعديله بملفات وقضايا أخرى شديدة الأهمية مثل إنتخابات الرئاسة المقبل ومثل قضية تيران وصنافير وغيرها ، خاصة عندما يقول البعض أن ما كان قائما بالفعل فى نصوص القوانين الحالية كان يمنح الرئيس صلاحية الإختيار مباشرة بعد أخذ رأى الهيئات القضائية ، تبدو تساؤلات مشروعة تماما ، وربما الإجابات المحتملة فيها ولو نظريا تفسر سر الإصرار على تمرير القانون بهذا الشكل ، وتصدير مجلس النواب عبر تعديل القانون وليس الرئيس عبر ممارسته صلاحيات منصوص عليها ولم يكن معمولا بها .. وهى تساؤلات تستحق أن توجه فى الحقيقة إلى من يدعون أن هذا القانون لم يمس بإستقلال القضاء أو بالفصل بين السلطات ، وربما يراجعون نظريا مدى إتساق أن يختار رئيس الجمهورية من يفترض أن يكون رئيسا لمحكمة خاصة تحاكمه إذا جرى ذلك وهو رئيس مجلس القضاء الأعلى ، وإذا كان ذلك إحتمالا بعيدا ، فربما يكون الأقرب والأخطر هو أن يكون الرئيس الذى تبدو تصريحاته الأخيرة أقرب لتأكيد ترشحه فى الإنتخابات الرئاسية المقبلة ، هو بنفسه من سيختار رئيس الدائرة التى ستنظر فى أى طعون مقبلة على نتائج الإنتخابات الرئاسية ، وهى الدائرة التابعة للمحكمة الإدارية العليا التى يرأسها رئيس مجلس الدولة الذى سيعينه الرئيس ! ناهيك عن أثر إختيارات الرئيس الذى سيترشح لتلك الإنتخابات لرؤساء الهيئات التى ستقوم بعد ذلك بترشيح أسماء من يشكلون مجلس إدارة الهيئة الوطنية للإنتخابات نفسها !

وإذا كان ذلك فيما يتعلق بالإنتخابات الرئاسية المقبلة ، فإن الأمر أيضا قد تبدو له إنعكاساته على قضية تيران وصنافير ، ليس فقط بكونها رسالة ترهيب بإستبعاد من أصدروا الحكم بمصرية الجزيرتين وبطلان الإتفاقية ، بل ربما تمتد تلك الرسالة لمنع أى أحكام مقبلة فى مسارات قضائية لا تزال مفتوحة تجاه هذه القضية ، لكن فضلا عن ذلك فهو أيضا بمثابة مؤشر واضح على الطريقة التى قد يتم بها تمرير الإتفاقية ، خاصة فى ظل ردود الفعل التى لا تزال ضعيفة ومحدودة فيما يتعلق بتمرير قانون رؤساء الهيئات القضائية ، وفى ظل الطريقة التى يؤدى بها مجلس النواب مهمة تمرير القوانين والقرارات والإتفاقيات ، دون إستماع لوجهات النظر الأخرى ولا حتى الإستعداد للتراجع عن إثارة الأزمات والصدامات .

وإذا كان ذلك ما جرى ويجرى مع القضاة ، الذين كانوا جزءا رئيسيا فى التحالف التقليدى للدولة ومؤسساتها وبما فى ذلك ما سمى بتحالف 30 يونيو ، وإذا كانت التهديدات والتلميحات والمشروعات المقدمة بخصوص مؤسسة الأزهر ، ورغم وجود مساحة معارضة لما هو مقدم من تعديلات قانونية ، إلا أنها أيضا تظل رسالة قد تستخدم فى ضغوط ما أو ربما لتمرير ما هو أخف وأقل صداما منها بما يحقق نفس الهدف ، فإننا نكون بذلك أمام مشهد يؤكد تماما أن هذه سلطة ليس لديها عزيز ولا غال ، بل وربما لا نستبعد أن يمتد ذلك لاحقا لمجلس النواب بعد أن يستكمل دوره المطلوب وهو المؤهل والمهيأ تماما له منذ القوانين التى أعدت لإنتخابه والطريقة التى تم تشكيله بها وصولا لأدائه الذى لا يبدو مفاجئا رغم فجاجته ، ونرجو فقط ألا تكون هناك مفاجآت إذا وصلت السلطة فى مرحلة لخيار التضحية بالبرلمان عبر الدعوة لحله سواء من خلال إستفتاء أو من خلال أدوات أخرى ، بالذات بعد أن ينهى دوره فى تمرير كل ما هو مطلوب ، ويتحمل نصيبه من الغضب وتوجيه أسهم النقد المستحقة دون شك ، لكنها بالتأكيد لا تغنى عن توجيهها أيضا لكل من يستحقها ، بما فيهم بل وأولهم الرئيس الحالى عبد الفتاح السيسى .

التعليقات
press-day.png