رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

محمد أحمد فؤاد يكتب: صلاة الخجل!

 

للفضائل والنعم التي منحها الخالق للمخلوقات علامة وأثر يستوجب الشكر والحمد، وهناك من يعتنق فكراً روحانياً خالصاً مفاده أن كل شئ يسبح بحمد الله، حتى الحجر والجماد..  لسنا هنا لنناقش أفكار ومعتقدات أو نبحث في صحتها أو وجوب ثبوتها، فهذا أمر بعيد تماماً عن مغزى المقال، لكننا هنا لنقف على حقيقة هامة وهي ظاهرة الجحود الإنساني التي تعتري العديد من الأوساط الاجتماعية، وأظنها تلقي بظلال كئيبة على كثير من المشاهد والأحداث والقرارات التي قد تستدعي الإنتباه والتأمل..

مؤخراً ظهر حراك شديد الضراوة على شاشات التلفاز وعلى صفحات التواصل الاجتماعي يتبنى مطالبات فئوية متكررة أغلبها متخلف وجاحد لما يحمل بين طياته من ملامح عنصرية وهمجية ونفاق فج.. الهدف الواضح من هذا الحراك على ما يبدو هو الترويج لوجوب عدم الاعتراض سواء بالتعليق أو النقد على سياسات وقرارات السلطة التنفيذية ممثلة في جهاز الرئاسة والحكومة فيما يتعلق بالشؤون السياسية والاقتصادية والأمنية، وكأن السلطة لدينا معصومة ومعفاة من المسائلة والحساب.. هذا ومن جانبه، تفضل السيد رئيس الجمهورية يوماً بالتلميح لمتابعته الشخصية عبر تقارير لم يعلن عن مصادرها لأحوال المجتمع ونبضه من خلال أنشطة التواصل الإجتماعي وتعليقات التأييد أو المعارضة..

أعادني هذا المشهد الذي أحسبه يرسخ لصنف مدهش من صنوف الاستبداد، إلى إحدى روايات الكاتب الروسي الأشهر فيودور دوستويفسكي 1821 : 1881، حيث كان أحد أبطال الرواية يتخيل أن المسيح عاد إلى الأرض على متن مركبة وهمية، وحل بأشبيلية إبان سطوة محاكم التفتيش فقام بوعظ الناس وصنع المعجزات، فأقبل عليه المرضى والضعفاء والمحزونون للحصول على البركة وإلتماس العون والرحمة..  ثم ليمضي السيد المسيح بين البسطاء ليغدق عليهم بالرعاية، فيتباسطون إليه بشكاياتهم ومخاوفهم.. وإذا بسيادة المفتش الأعظم رئيس ديوان التفتيش يعبر المكان ويتأمل المسيح والشعب يلتف من حوله فتنتابه الحنقة وعلامات الغيرة، فيشير إلى الحراس ويأمرهم بأن يعتقلوه ويودعوه رهن الحبس في زنزانة مظلمة في انتظار التحقيق..

ويأتي المساء فيذهب المفتش الأعظم إليه ويخاطبه قائلاً: إنني اعرفك ولا اجهلك، ولهذا أمرت بحبسك.. لماذا جئت إلى هنا..! ولماذا تعوقنا وتلقي العثرات في سبيلنا..؟ ويستطرد.. إنك كلفت الناس ما ليس لهم به طاقة، كلفتهم حرية الضمير، والنزوع إلى التفكير والتمييز.. لقد كلفتهم أوعر المسالك فلم يطيقوا ما كلفتهم به، وأشقيت مساعيهم بما طلبت منهم.. الأن وقد عرفنا نحن داءهم وأعفيناهم من ذلك التكليف، وأعدناهم إلى الشرائع والشعائر بطريقتنا، تعود أنت إلينا مجدداً لتقطع علينا السبيل وتحدثهم من جديد بحديث الاختيار وحرية الضمير..!  أنت لا تعلم، ولكننا نعلم أنه ليس أثقل على الإنسان من حمل الحرية، وليس أسعد منه حين يخف عنه محملها وينقاد طائعاً لمن يسلبه إياها ويوهمه في ذات الوقت أنه قد أطلقها له وفوض إليه الأمر في إعتقاده وأعماله..  فلماذا تأتي من جديد لتسوم الإنسان أن يفتح عينيه ويتطلع إلى المعرفة وأن يختار لنفسه ما يشاء، وهو لا يعلم ما يشاء..؟

أنك منحتنا السلطان قديماً، وليس لك أن تسترده.. لأننا ببساطة ليس في عزمنا أن ننزل عنه، فدع لنا هذا الإنسان وإرجع من حيث أتيت.. وإلا أسلمناك لهذا الإنسان غداً وسلطناه عليك وحاسبناك بآياتك وأخذناك بمعجزاتك.. ولترين غداً أن هذا الإنسان الذي قدسك يوماً سيقبل علينا اليوم مبتهلاً وراجياً أن نخلصه منك، وأن ندينك كما ندين الضحايا والمعذبين والمقهورين...

إيفان كرامازوف بطل تلك الرواية التي تتخيل هذا الملتقى وهذا الحوار لم يعش بيننا تلك اللحظة.. لكنه ربما ربما تكهن بها حينما استشرف ملامح مستقبل تأسست لبناته على الفكر السلطوي القمعي الذي أدى بنا إلى هذا المنحدر الفكري، حيث يتسيد المشهد لدينا أحط أنواع النفاق والتدليس.. فهناك حثالة ممن يؤمنون تماماً بأن الشعب لا يستحق الحرية، وليس له حق الاعتراض أو مجرد التعبير عن غضباته.. وما عليه إلا أن ينتظر وينتظر، حتى تجود عليه الأقدار بما هو متاح..! النفاق لدى البعض أصيل وراسخ، وأحياناً مدفوع الأجر، ومثل هؤلاء لا تطهرهم صلوات أو صدقات أو رحمات.. ولدى البعض الأخر النفاق منبعه اليأس من تحقق العدالة والخوف من الخسائر المحتملة جراء غضب صاحب السطوة..!

الحاكم الطاغية يخفق ويصفقون له.. يتحدث ويفرض على الجميع عدم مقاطعته أو الاعتراض عليه حتى بالحجة والبرهان.. ينفق أموال الدولة ويطلب الصبر وعدم المسائلة حتى يعقد الثمر على أشجار بناها من وهم.. يعصف بالدستور والقانون ويصدق على قرارات مجحفة تخل بمبادئ ديموقراطية يدعي أنه يرعاها ويصونها.. وأخيراً يتجمل ويستعرض قدراته البدنية وهو محاط بجحافل الحرس ممن لا يتورعون لتصفية من يحاول مجرد الاقتراب وليس التصوير..!

الإنسان لا يتغير ولا المكان.. لكن تتغير الأنظمة والظروف، فإذا ما أتى المسيح الأن فربما سيصعقه أن إنسان اليوم كإنسان الأمس في شروره وعداواته، وفي نفاقه وشقاقه، وفي إعراضه عن الجوهر وتمسكه بالقشور، وفي الاستعلاء على التقوى والخير والإمعان في الجحود والعدوان.. ذلك أقرب ما أظنه سيكون، وأحسب أنه سيرفض تماماً المشاركة في أي من تلك الطقوس الزائفة بين حفلات تلميع الأنظمة السياسية الممولة بمقدرات البسطاء، ومراسم تزييف الواقع بعناق ظاهري بين قداسة البابا وفضيلة الإمام..

 

أيها السادة: حان الأن موعد صلاة الخجل..!

 

 

التعليقات
press-day.png