رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

د. أحمد سعيد يكتب: مصر والخلافة وثورة البشموريين

أثار الحديث عن الخلافة الإسلامية بعض المناقشات والمناوشات، وفي حديث مع أحد الزملاء أعطى مثالا عن التقدم الحضاري الذي صاحب الخلافة الاسلامية، وذكر عهد الخليفة المأمون، وأخذ يعدد أوجه التقدم والإزدهار خصوصا في المجالات العلمية وغيرها, وإن كان اغلبنا قد نشأ على كليشهات تاريخية محفوظة فليس معنى ذلك انها صائبة تماما، أو خاطئة تماما، ولكن غالبا فهي تخفي خلفها العديد من الحقائق المطوية في صفحات الكتب.

سألت هذا الزميل ... ترى هل تعلم متى زار الخليفة المأمون مصر؟

وعندما رد بأنه لا يعنيه زيارة المأمون لمصر، من الأساس، فالدولة الإسلامية وقتها هي ما يجب أن نتحدث عنه، وليس إحدى ولاياتها, وهذه هي نقطة الخلاف، فأنا اتحدث عن مصر وتبعات حكم الآخرين لها وليس عن مساوئ أو محاسن هذا الحكم.

ولكي أرد على هذا الزميل وغيره فإن الخليفة المأمون زار مصر في خلافته عام 832م ولكن ليس لتفقد إحدى الولايات التابعة له، أو لمتابعة أي من المشاريع الحضارية التي اشتهر بها عهده، ولكن كانت زيارته تلك على رأس جيشه لإخماد ثورة البشموريين، والتي فشلت قواته في السيطرة عليها فاضطر للقدوم بنفسه للقضاء عليها.

وإن كان أغلبنا لم يسمع عن تلك الثورة، فغالبا لأنها اتسمت بسمات الثورة المسيحية، ضد الحكم الإسلامي، حتى وإن كان هذا الإدعاء غير صحيح تماما، ولكن كان من الأفضل السكوت عنها.

وبداية فالبشموريين هم سكان المنطقة الواقعة بين فرعي دمياط ورشيد وكانت تلك المنطقة ذات أغلبية مسيحية تعمل في صناعة ورق البردي وقد تعددت ثوارتهم من قبل، إلا ان تلك الثورة كانت هي الأقوى، فقد كان والي مصر، في ذلك الوقت عيسى بن منصور، وقد اشتهر بقسوته في تحصيل الخراج والجزية حتى أن ابن اياس المؤرخ المصري يذكر ان في عهده اضطربت أحوال الديار المصرية، وخرج أهلها عن الطاعة وحدثت مواجهات عسكرية بينهم وبين قوات عيسى بن منصور خصوصا في الصعيد وفي بشمور, واشتدت ثورة أهل بشمور فأرسل اليهم أحد رجاله، ويدعى غيث بن سعيد، ليحصل الجزية والضرائب، ويخمد عصيانهم ولكن استمرت ثورات المصريين ضد حكم عيسى بن منصور, واذا كان البعض يدعي ان تلك اثورة قامت على أساس ديني فإن أقوال المؤرخين أوضحت أن تلك الثورات، شارك فيها أهل مصر مسلمين ومسيحين, فالمقريزي كتب عنها " انتفض أسفل الأرض بأسره عرب البلاد وقبطها".

توالت المناوشات مما جعل المأمون يعين المعتصم، واليا على مصر الذي بدوره أرسل نائبا له إلى بشمور على رأس جيش آخر، إلا أنه فشل في القضاء على الثورة، بل أن نائبه قتل في المعارك بين الطرفين، مما أضطر المأمون إلى إرسال قائده التركي الأفشين، على راس جيش اخر للقضاء على تلك الثورة وهنا قرر المأمون الحضور بنفسه إلى مصر.

وبعد معارك عديدة كان ضحيتها الآلاف من المصريين، نجح الافشين في القضاء على الثورة في أنحاء مصر، وبقيت بشمور صامدة فاستعان المأمون ببطريرك انطاكية، والانبا يوساب، وطلب منهما  أن يتعاونا معه لاخماد الثورة، ويحثا البشموريين علي الطاعة، وبالفعل بعد الترهيب والترغيب أخذا يرسلان الرسائل لتهدئة الوضع، ولكن بلا جدوي، وبعد معارك أخرى، وتفاصيل كثيرة، نجح الأفشين في اقتحام بشمور، وقتل الآلاف من أهلها وأمر المأمون بتهجير باقي البشموريين  خارج مصر.

وان كان المقريزي يذكر ان المأمون قد تبرأ من افعال واليه عيسى بن منصور، التي أوصلت البلاد لهذا الوضع، فإنه يبقي مسؤلا عن أفعال ولاته، خصوصا أنه لم يحاكمهم عن أفعالهم بل اكتفى بعزلهم بل أن عيسى بن منصور، عاد بعد ذلك بسنوات عديدة واليا على مصر مرة أخرى .

هذا تلخيص لثورة استغرقت ما يقرب من ثلاث سنوات راح ضحيتها آلاف المصريين وأجبر آلاف آخرين على الرحيل منها تمت في أحد أزهى أوقات الخلافة.

التعليقات
press-day.png