رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

كارم يحيى يكتب: 3 مايو.. إهدار دماء الشهداء والصحافة أيضا

قبل عام كتبت بمناسبة يوم حرية الصحافة العالمي ونشرت هنا في موقع "البداية" ما يشبه كشف حساب ( متواضع ) لعام من العدوان على الحرية والمهنية في صحافتنا المصرية . كان هذا تحت عنوان :" الصحافة والصحفيون في مصر بمناسبة 3 مايو ".

وفي اليوم التالي 4 مايو 2016 ذهبت إلى مؤتمر الجمعية العمومية الحاشد بنقابة الصحفيين، وحملت في كلمة أمام زملائي "السيسي" بصفته وشخصه المسئولية عن جريمة عدوان قوات أمنه ووزير داخليته على نقابة الصحفيين واقتحامها يوم الأول من مايو  وما سبق ولحق من اعتداءات . فواقعة الاقتحام لها سياق كامل وليست محض حادث منعزل . وشاء زميل فاضل عملنا معا في بداية مشوارنا بالصحافة مطلع الثمانينات في جريدة "الأهالي" أن يكتب محرضا في الجريدة التي أعمل بها مطالبا بالبحث عمن قال وبرأسه . وهو الآن ينشر يوميا هناك . ، والحمد لله. بينما اختفى تماما مقال رأي كل أسبوعين كنت أدفع به للنشر ضمن ما اختفى من نوافذ ومساحات رأي .والحمد لله أيضا.فمازلت.بل وسأظل أتمسك بما دعوت وطالبت .

فقد كان العدوان على نقابة الصحفيين غير مسبوق بحق ويمثل ذروة اعتداءات هي بدورها غير مسبوقة في شمولها واتساعها ووحشيتها. بل وفجورها ضد المجتمع والحريات العامة والفردية والصحفيين والصحف . وكما هو معروف ومعتاد اصطف صحفيون إلى جانب الحرية وآخرون ضدها ، حتى ولو تعلق الأمر هذه المرة بالنقابة وكرامة الصحفيين كافة.ودفع المزيد من الزملاء أثمانا غالية من حريتهم .هي أثمان  تتواضع أمامها أي معاناة شخصية أو مهنية بما في ذلك الغربة والتهميش والأذى فيما تكتب. فللمرة الأولى وأتمنى أن تكون الأخيرة ،دخل نقيب الصحفيين ووكيل وسكرتير عام النقابة (الزملاء الأعزاء يحيى قلاش وخالد البلشي و جمال عبد الرحيم ) غرف الحبس في الأقسام وقاعات النيابات والمحاكم متهمين ومحكوما عليهم لمجرد شبهة الدفاع عن حق زملاء اللجوء لنقابتهم في مواجهة ملاحقة أمنية غشوم ومخالفة للقوانين، وغامضة غموض وعبثية وكابوسية ملاحقة " المواطن كا " في رواية كافكا "المحاكمة ".  وهذا مع أن مجلس النقابة ذاته والنقيب نفسه وضعوا احتفال يوبيلها الماسي قبل أسابيع من الاقتحام تحت رعاية "رئيس الجمهورية"، وهو ما اختلفت وآخرون بشأنه معهم .

ولو كان لي أن أندم . فإنني أندم على أنني غادرت الوطن ـ مغادرة مؤقته أو احسبها وأرغبها كذلك ـ قبل أن أستكمل كتابا جديدا عن صحافتنا خلال مرحلة مابعد 3 يوليو 2013. ولقد وددت أن أواصل ما بدأت من نقد أحوال صحافتنا في كتابي " حرية على الهامش " الصادر عام 2005  و "تمرد في الثكنة " الصادر عام 2012. وندمي هذا يتجاوز حسرة أن  كتابا آخر بعنوان "نقابة تحت الحصار: تاريخ آخر للصحفيين المصريين " انتهيت منه في أكتوبر الماضي لم ير النور. وكنت أود أن يسهم في إثراء النقاش مع انتخابات نقابة الصحفيين مارس 2017، بخاصة أنه يحمل أيضا انتقادات لما يسمى بتيار الاستقلال في النقابة ولما اعتقد أنها أخطاء تراكمت على مدى عقدين قادتنا إلى إهدار فرص التغيير والى ما وصلنا إليه .   ولعل ما قد يخفف عني ويشفع لي أنني كتبت بقدر ما أستطيع دفاعا عن حرية الصحافة وعن المهنة وعن معنى العلاقة بين صحافة حرة ومجتمع يحاول التحرر والتقدم منذ مولد الجرائد عندنا عام 1828.كتبت ما استطعت حتى من داخل هامش يضيق ويطبق على الأنفاس ويحصيها بصحفنا.وهي للأسف مازالت ـ في كثير مما تنشر ـ مختطفة ومجندة لاهانة العقل واحتقار القارئ و  لمديح الطغيان وللتغطية على الفساد ولصناعة بارت في العالم كله اسمها " عبادة الفرد " ، إلا في ظلمات بلدان تعيش "كارتونية الدكتاتور" مثل كوريا الشمالية .ربما استطعت بشق الأنفس عقب اقتحام نقابتنا نشر مقالين هناك دفاعا عن حرية الصحافة وكرامة النقابة وحقوق الصحفيين وأخلاقيات المهنة .وبدا هذا في سياق معاكس مثيرا للدهشة .دهشة الآخرين . وليس دهشتي لأنني سأظل أرى أن الحرية حق والمهنية واجب وضمير . وبخاصة في صحف تصدر بأموال الشعب ويتكفل بتغطية خسائر سوء أدارتها و إهدارها للمهنة المواطن دافع الضرائب .بل أن المدهش بحق والأحق بالدهشة هو القبول بالعدوان على المواطن مرتين : مرة بتقديم "وجبات فاسدة " تفتقد الى أوليات المهنة وأخلاقياتها تستخف بالعقول وتهدر الحق في المعرفة وتداول المعلومات وتعدد الآراء . ومرة ثانية بأن يتحمل المواطن المعتدى عليه الضحية ـ قارئا كان أو مقاطعا لهذه الصحف ووسائل الإعلام وعازفا عنها ـ الاقتطاع من قوت يومه لتغطية نفقات إهدار حقوقه هو والعدوان عليها وبما فيها خسائر التنكر للمهنية. وبالمناسبة فبطول رحلة  ما كتبت من مقالات وكتب عن الصحافة في بلادنا  ـ واظنني أحد المهمومين بهذا الشأن منذ ثلاثين عاما ـ أدركت مدى الترابط القائم في صحافتنا بين خمسة أنواع من الفساد : مهني وإداري ومالي ونقابي وسياسي .

بالطبع ما يحزن أكثر أن تكون بعيدا عن وطنك وزملائك ونقابتك في يوم 3 مايو . ويوخز الضمير ويشعرك بالتقصير ألا تقوم بكشف حساب مماثل لما حاولت وكتبت قبل عام ، ولو كان اجتهادا فرديا متواضعا . وبخاصة مع إعلان منظمات دولية معتبرة هذا العام انضمام مصر للقائمة السوداء وهبوطها في عهد السيسي وسجاني الأنفس والكلمات وما تخفى المطابع و الصدور إلى المرتبة 161 بين دول العالم في حرية الصحافة . لكن صباح هذا اليوم عندما طالعت على البعد تحقيق زميلتي التي لا أعرفها "حسناء محمد "هنا في موقع " البداية "  عن دم شهداء سيناء والوطن كأصدق دليل على مصرية تيران وصنافير ، اكتشفت مدى العلاقة الوثيقة بين التنكر لدماء شهدائنا ( شهداء الحروب والثورات ) وإهدارها وبين استفحال وتوحش اللامهنية في صحافتنا وإعلامنا . وربما جرؤت أن أقول للنفس :"ألا تخجل من أن تشكو ما تعانيه بعد أكثر من40 سنة صحافة من إهدار وعدوان على ما تكتب.. وهم يهدرون بالأصل دماء كل هؤلاء الشهداء ويعتدون على تضحياتهم  ".

لا أحب أن استخدم كلمة "خيانة "، فقد تم ابتذالها في مصر المحاصرة بين جنون التكفير بالدين "المغشوش " وجنون التخوين بالوطنية "المغشوشة " .ولذا اكتفي بكلمة " إهدار " في عنوان هذا المقال لعلها ترتقي إلى مقام ما يجرى . ولعلها كذلك تنطوى على إسقاط ما بأن هكذا عدوان  يفرط في الأرض والحقوق الوطنية والسيادة بسيناء وهكذا عدوان على مهنة الصحافة وأخلاقياتها ناهيك عن انتهاك الصحفيين ونقابتهم هو أيضا بمثابة " إهدار دم " لا يقل خطورة عن " إهدار الدم" عند إرهاب المتطرفين باسم الدين . بل والأخطر والأنكى أنه يفتح الأبواب أمام  الإرهاب ليستشري في بلادنا  .

فالطبخة المسمومة والأسوأ في مصر الآن هي : إغلاق نوافذ الحرية وفتح الأبواب للإرهاب. 

التعليقات
press-day.png