رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

خالد البلشي يكتب عن: إهانة الرئيس وإهانة البرلمان.. «قانون جديد للرونق»

(1)

«عاوز حاجة تانية يا مناضل»..

هكذا فاجأني الفقيه الدستوري والقانوني، ونحن في الجلسة الأخيرة لـ لجنة إعداد مشروع قانون منع العقوبات السالبة للحريات في قضايا النشر، ضمن أعمال اللجنة الوطنية لإعداد التشريعات الإعلامية.

كنا ثلاثة فقط في هذه اللجنة المصغرة الخاصة بمنع الحبس في قضايا النشر، ولكني كنت أذهب للجلسات متسلحاً بكل الأسانيد والحجج  القانونية والدستورية، حتى نخرج بقانون يليق بمصر والصحافة وتوقنا للحرية، وحتى لا أجد نفسي اقول كلامًا خارجاً عن السياق، أو بعيدًا عن القانون وانضباط صياغاته.

وكنت في نفس الوقت مطمئنا لوجود رجل أفنى عمره في الدفاع عن قضايا حرية الصحافة، وفي مناقشات حول القانون منذ معركة القانون 96 وما قبلها، هو الأستاذ حسين عبد الرازق، وكانت عدتنا نضال طويل خاضته الجماعة الصحفية من أجل إلغاء الحبس في قضايا النشر، كُلِل بنجاحات جزئية، ولم يتبق إلا استكمالها بنص شامل جامع، كنا نظن أننا اقتربنا من إنجازه، وتراث طويل من النقاشات داخل نقابة الصحفيين عمره يقترب من العشرين عاماً، شارك فيه قامات قانونية وصحفية، ورغبة حقيقية في تنقية القوانين الحالية من تراث طويل من القوانين المقيدة للحريات يمتد عمره لأكثر من قرن، وبالتحديد منذ صدور قانون المطبوعات عام 1914.

كانت الجلسة الأخيرة هي جلسة مراجعة ما انجزناه، وكانت إحدى التوصيات الرئيسية للقانون بخلاف إلغاء الحبس تنفيذا لنصوص دستور 2014، هي ضرورة إلغاء كل النصوص الخاصة بالعيب والإهانة في قانون العقوبات المصري وعلى رأسها المادتين 179 و184 الخاصتين بإهانة الرئيس والهيئات.

خرجنا من الاجتماع بعد أن وقع ثلاثتنا على المشروع، ومحضر الجلسة، بعد أن تيقنا من قانونية ودستورية ما صغناه، وكل واحد فينا متفق على أنه مستعد للدفاع عنه حتى آخر نفس، أنا وأستاذي حسين عبد الرازق والخبير الدستوري.

لم يبق من الجلسة إلا صوت الخبير، يرن في أذني، «عاوز حاجة تانية يا مناضل، كده كله تمام يامناضل».

من وجهة نظري، ونظر من سبقونا لهذه النقاشات، وبينهم قامات قانونية كالمستشار الراحل عوض المر رئيس المحكمة الدستورية العليا الأسبق، «كان كله تمام».

(2)

وقد ألغيت العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر والعلانية، في أغلب دول العالم، فألغيت في بريطانيا عام 1980، وألغيت في فرنسا عام 1982. وهناك اتجاه عام في الفكر القانوني بإلغاء العقوبات السالبة للحرية واستبدالها بعقوبات مالية، باعتبار أن العقوبة السالبة للحرية تهدف إلي تحقيق الردع والترويع والانتقام وينبغي في مجتمع متحضر استبعاد الانتقام ، أما الردع والترويع فيحول العقوبة في قضايا النشر إلى عقوبة مانعة لممارسة حرية الصحافة والإعلام، ولا تحقق العقوبة السالبة للحرية أي صالح للمتضرر إلا الرغبة في الانتقام .

*********

أما المواد (179) و(181) و(182) و(184) و(186) فتناول جرائم يكاد ينفرد بها القانون المصري، وهي جرائم الاهانة والعيب والإخلال بالمقام والإفشاء والتضليل  والتحريض  - التي تتدرج من تحريض ضد النظام ولو لم يصاحبه عنف الي مجرد الجهر بالغناء لاثارة الفتنة – وجرائم كراهية النظام والازدراء به أو البغض أو تحسين الجرائم وهذه الجرائم منقولة عن القانون الفرنسي الصادر في عهد ديكتاتورية لويس نابليون ، وألغيت تماماً من التشريع الفرنسي منذ عام 1928 .

مقتطفات من المذكرة الإيضاحية لقانون منع العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر والتي أعدتها اللجنة السابق الإشارة لها.

(3)

تمر الأيام ويتم طرح اسم الفقيه الدستوري والقانوني، كمرشح للبرلمان على قائمة دعم مصر، وفي إطار توازنات سياسية يتراجع اسم المستشار سري صيام، رئيس مجلس القضاء الأعلى الأسبق، من الترشح لرئاسة البرلمان، مما يدفعه للاستقالة، ليعلو اسمه ويصبح الفقيه القانوني والدستوري، زميلي في لجنة إعداد التشريعات الصحفية والإعلامية، د. علي عبد العال رئيساً للبرلمان.

كانت كلمة «كله تمام يا مناضل» لا تزال ترن في أذني لكني لا أدري لماذا لم أكن مستعداً للتفاؤل.

تمر الأيام مرة أخرى لأفاجئ بالدكتور علي عبد العال، في معركة تلو الأخرى مع الصحافة، بدءً من منع صحفيين ومصورين من التغطية، مرورًا بقيام البرلمان بتفريغ القانون الموحد من فلسفته بعد تقسيمه، ووصولا لتحريك الدكتور علي عبد العال وبصفته دعوى قضائية ضد إبراهيم عيسى، رئيس تحرير المقال، بتهمة إهانة البرلمان، مستخدما نفس النصوص، التي  أوصت لجنة إعداد مشروع منع الحبس في قضايا النشر، بإلغائها وبالتحديد، نص المادة 184، رغم توقيعه هو نفسه على المطالبة بإلغائها.

لم يكتف د. علي عبد العال والبرلمان، باستخدام المادة 184 من قانون العقوبات، رغم مخالفتها الواضحة للدستور، ورغم مطالبة رئيسه بإلغائها في وقت سابق، بل أن مفاجآت آخرى كانت في الطريق، بينما لازالت تتردد في أذني كلمة الفقيه القانوني والدستوري الذي صار رئيسا للبرلمان «كده كله تمام يا مناضل»

(4)

في السادس من أغسطس 2013 أصدر المستشار عدلي منصور رئيس الجمهورية المؤقت، قراراً جمهورياً بتعديل المادة 179 من قانون العقوبات، بإلغاء الحبس في إهانة رئيس الجمهورية، مستبدلا عقوبة الحبس، بغرامة لا تقل عن 10 آلاف جنيه ولا تزيد على 30 ألف جنيه.

وجاء قرار عدلي منصور بعد لقاء مع مجلس نقابة الصحفيين، كنت مشاركاً فيه، طالبنا خلاله بإلغاء العقوبات السالبة للحرية في مجال النشر. وهو ما اعتبرته النقابة وقتها خطوة على طريق إلغاء الحبس وإلغاء جريمة الإهانة وأكدت عليه في بيانات رسمية.

لم تكن خطوة عدلي منصور، هي الأولى في هذا السياق بل أنها جاءت استكمالا لخطوة، اتخذها الرئيس المعزول محمد مرسي، بمنع الحبس الاحتياطي في قضايا إهانة رئيس الجمهورية، بعد أزمة حبس إسلام عفيفي رئيس تحرير جريدة الدستور احتياطياً على ذمة اتهامه بإهانة الرئيس،  وهو القرار الذي جاء ليستكمل إلغاء الحبس الاحتياطي في قضايا النشر،  لكن النيابة لم تلبث أن عادت لاستخدامه، بالافراج بكفالة في العديد من القضايا، رغم احتجاج النقابة أكثر من مرة أحدها كنت ونقيب الصحفيين السابق يحيى قلاش وزميلنا جمال عبد الرحيم، ومنها القضية الأخيرة المتعلقة بخدش رونق القضاء.

والمفارقة الملفتة للنظر أن قرار مرسي بإلغاء الحبس الاحتياطي في إهانة الرئيس كان القانون الأول الذي يصدره في أول استهلال لممارسته سلطته التشريعية التي نقلها لنفسه في 12 أغسطس 2013.  مثلما كان قرار مجلس الوزراء بإلغاء الحبس في قضايا إهانة الرئيس، والذي صدق عليه عدلي منصور، القرار الأول لمجلس الوزراء، ليتم تصديره إعلاميا باعتباره القرار الأول لحكومة «الثورة» وقتها، بل وتم تسبيبه  كنوع من المكايدة السياسية بزيادة عدد قضايا، إهانة الرئيس خلال حكم سلفه المعزول محمد مرسي.

 (5)

تمر الأيام مرة أخرى، وفيما كان استمرار جريمة الإهانة أحد أدوات المعايرة بين الحكومات المستبدة، وإلغاء الحبس فيها وفي قضايا النشر - ولو على الورق - أحد أدوات التفاخر، وفي الوقت الذي جاء دستور 2014 في مادته رقم 71 لينص على إلغائه، فإن حبس الصحفيين في عهد السيسي ورئيس برلمانه علي عبد العال، استطالت قائمته، وبدلا من أن يسعى الدكتور علي عبد العال إلى إقرار قانون إلغاء الحبس في قضايا النشر، الذي ساهم في صياغته، فإنه بادر أولا لاستخدام نصوص طالب بإلغائها، (قضية إبراهيم عيسي)، ثم كانت الفاجعة في شكل مشروع قانون جديد قدمه رئيس لجنة الدفاع للبرلمان بتغليظ العقوبات في قضايا الإهانة (الرئيس والجيش والمؤسسات ورموز الدولة) وإعادة الحبس الذي تم إلغاؤه في إهانة الرئيس بالمخالفة للدستور وبالمخالفة لنصوص المذكرة الإيضاحية للقانون الذي شارك في صياغته الدكتور علي عبد العال. الذي لازال صوته يتردد بعبارته الشهيرة «كله تمام»

(6)

وتم إلغاء العقوبة السالبة للحرية في المادة 179، والخاصة بإهانة الرئيس والتي كانت تصل العقوبة فيها إلى 5 سنوات لتصبح غرامة ثلاثين ألف جنيه، وهو ما يكشف عن نية المشرع وفلسفة العقوبة والتي اتجهت لالغاء الحبس، وهو ما تكرر في المادة 181، والخاصة بإهانة رئيس دولة أجنبية. كما أن فلسفة المشرع الدستوري في المواد الخاصة بالابداع اتجهت تماما لالغاء الحبس .

*********

كما استقر الفقه القانوني وقضاء المحكمة الدستورية العليا في مصر ومحكمة النقض علي أن التشريع العادي عندما ينظم حرية من الحريات العامة المنصوص عليها في الدستور، فإن هذا التنظيم لا يمكن أن يرقي إلى حد تقييد هذه الحرية، أو مصادرتها، وإلا كان هذا التشريع مشوباً بعدم دستورية.

******

وإذا انصب الوصف التجريمي علي آراء وأفكار أو عقائد أو خلجات ضمير أو نزوع عقلي فقد النص الجنائي مبرر وجوده، لأنه يستحيل عليه تحقيق الردع العام والردع الخاص علي السواء ، ويتحول النص الجنائي من أداة لضبط السلوك في المجتمع عن طريق قاعدة واضحة تحظي بالاحترام من الجميع إلى اداة تستخدمها السلطة العامة للتنكيل بالمعارضين العقائديين أو السياسيين علي نحو يخضع للأهواء السياسية ونزواتها) .

** مقتطفات أخرى من المذكرة الإيضاحية للقانون الذي شارك رئيس البرلمان في إعداده

(7)

وهكذا لابد من وضع المحاولات الجديدة لتغليظ العقوبات على إهانة الرئيس والهيئات، في سياقها العام كأحد الوسائل للقضاء على ما تبقى من مساحات للحركة في هذا المجتمع، والتنكيل بالمعارضين، عبر قوانين، ما أنزل الله بها من سلطان، تخالف الدستور والمواثيق الدولية، وكخطوة نهائية على طريق إستكمال إغلاق المجال العام، والقضاء على ما تبقى من حريات.

 فلا يمكن قراءة مشروع القانون الأخير بتغليظ العقوبات في مجال ما يعرف بإهانة الرئيس والبرلمان ورموز الدولة، بعيدًا عن الهجمة الشرسة على الحريات العامة، وضمن خطة مدروسة لإحكام القبضة الأمنية على المجتمع، وترسيخ السلطات الإستبدادية للرئيس الفرد.

 فبعد أن أوشك النظام الحالي، والذي يرى رئيسه، نصوص الدستور، نوايا حسنة، والنقد المباح تعذيبا له - على حد وصفه -، على إغلاق كل مساحات الحركة في المجتمع، فإنه يقوم حاليا باستكمال ذلك من خلال بنية قانونية قمعية، تعتبر حرية الرأي جريمة، لابد من التصدي لها، ودفاع المجتمع المدني عن الحقوق، خيانة، لابد من محاكمة مرتكبيها، والنقابات المستقلة، أحد أدوات هدم المجتمع لا الدفاع عن حقوق العمال، واستقلال القضاء، بدعة لابد من القضاء عليها، عبر قوانين ومحاكمات استثنائية انتهاءً بتعيين رؤساء الهيئات القضائية، والروابط الرياضية، بؤر إجرامية لابد من حبس أعضائها.

الآن وفيما يتم استخدام نصوص الحرية المغدروة كوسيلة للتفاخر والتنابز، يجري على قدم وساق، استكمال هذه البنية القمعية، بقانون لحماية من يصفونهم برموز الدولة مما تبقى من كل ذلك، ومن حتى المحاولات الطائشة للكلام الذي تم تقييده، عبر مشروع القانون المشبوه الذي يتم طرحه في البرلمان، رغم مخالفة نصوصه الجذرية للمادة 71 من الدستور، والتي تنص على أنه « لا توقع عقوبة سالبة للحرية فى الجرائم التى ترتكب بطريق النشر أو العلانية، أما الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو بالتمييز بين المواطنين أو بالطعن في أعراض الأفراد، فيحدد عقوباتها القانون»، وهو ما يعني أن جريمة الإهانة ليست من ضمن الجرائم المحالة للقانون، فضلا عن أن المشرع الدستوري في دول العالم اتجه لإلغائها تماما، كما اعتبرها المشرع الدستوري المصري في أحكام واضحة، تعبير غير منضبط يسمح بالتعسف فى تفسيره على هوى سلطة الاتهام بما يمس مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات فى الصميم.

ومثلما جرى تفريغ الجزء الأول من نص المادة 71 من الدستور من مضمونه بعودة المصادرة والرقابة على الصحف، بل وتقنينها عبر قانون الطوارئ بالمخالفة للدستور، فإنه يجري حاليا الإجهاز على ما تبقى من المادة عبر دفن القانون الذي حاربت نقابة الصحفيين في عهودها السابقة لإصداره، أو عبر قوانين أخرى تعيد الحبس من جديد في جرائم لم تعد موجودة إلا في الديكتاتوريات الكبرى، والتي صار النظام المصري أحد أعضائها المميزين، ولا عزاء لدستور النوايا الحسنة، على حد وصف الرئيس.

(8)

وبينما يقف مجلس نقابة الصحفيين في ثوبه الجديد عاجزاً حتى عن التحذير، من مخاطر إصدار هذا القانون، أو حتى الرد عليه عبر المطالبة بإصدار قانون منع الحبس في قضايا النشر بصيغته المتفق عليها مع الحكومة، فإن إسقاط هذا القانون، يظل مسئولية المجتمع كله، وأحد النقاط المهمة التي يجب أن نتفق عليها ضمن برنامج تحرك وطني، لفتح المجال العام في عام انتخابات الرئاسة، بعد أن صار يسرق منا، مساحة تلو أخرى، من التظاهر إلى قانون الجمعيات، والكيانات النقابية، مرورا بقوانين الإرهاب  والطوارئ، والهيئات الإعلامية والقضائية، والروابط الرياضية، والعمل وحتى العلاوات الاجتماعية، وقبل أن نفيق يوما للبحث عن مجتمع صالح للعيش والحركة، أو حتى انتخابات تفتح الباب لانقاذنا مما نحن فيه، فلا نجد إلا الرونق، يُلوح حماته بالسجن لكل من يهينه من القضاء للبرلمان وصولا للرئيس الذي يقولون أننا على «أبواب اختياره». 

التعليقات
press-day.png