رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

محمد أحمد فؤاد يكتب : التعصب الديني.. صناعة أم غريزة؟

مؤخراً، بات عشق الظهور والشغف بإستلفات الأنظار أمر فادح الانتشار بين جميع الأوساط، وأحسب أن الأمر طغى على الحوائج الأساسية لدى البشر كالمسكن والمأكل والدواء، وتجاوزها في حساباتهم إلى حد السفه واللا معقول.. حتى أن البعض صارت لا تعنيه مضامين الأشياء وقيمتها بقدر ما ستساهم به في اتساع مساحة شهرته وصيته، وإن جاء ذلك على حساب سمعته أو كرامته ومعتقده في العموم.. بل أنه قد تخطى ذلك وأصبح يرتعب من مجرد عدم حصوله على تقدير مادي سخي أو استحسان فوري ربما يكون زائف..! لم يكن هذا بالأمر السهل ما لم يتواكب هذا مع شيوع وانتشار وسائل تحقيق الشهرة التي جاوزت حد المنطق، وتعدت حدود العبث والفضائح أحياناً، بين برامج إعلامية مسموعة ومرئية، ووسائط تواصل متعددة أغلبها يعتمد فقط على سرعة الانتشار الفائقة، وأقلها يعتمد على الحقيقة والكفاءة..!

بالطبع حينما تنحسر المنافسة في كيفية تحقيق الانتشار وإحراز الشهرة بصرف النظر عن جوهر المعروض وتصنيف فوائده، سيظهر لنا مارد خطير يعصف بكل ما تبقى من معايير الأخلاق والشرف والأمانة وهو التعصب..  هذا الأخير الذي يمارسه أغلبنا بشكل تلقائي، بصرف النظر عن المعتقد أو التوجه الذي قد يجبر البعض على عمل فرز عنصري لمن يشكلون دوائر التواصل والاهتمام من حوله، وحينما تظهر خطورة أعراض هذا الفرز وسلبيات نتائجه يأبى الجميع الاعتراف به، وتجدهم يتنصلون تلقائياً من المسئولية تجاهه.. والتعصب كمصطلح يعني لغوياً الميل الانحرافي إلى جانب على حساب جانب أخر في أي من الأمور، حتى مع ظهور دليل قاطع على أحقية الجانب الأول بالمصداقية والاتباع.. وإجتماعياً يعد ظاهرة قديمة نوعاً ارتبطت بها العديد من مفاهيم العنصرية والطبقية، ومؤخراً في العقود الخمس الماضية لمسنا جراءها جميعاً لهيب نيران الطائفية..!

أخطر أنماط التعصب، والتي أظنها تحتل المساحة الأوسع من حياة البشر في هذا العصر هو التعصب الديني، وهو أمر ليس بجديد مع اتساع رقعة الطوائف الدينية المختلفة وتباين أبعادها، لكنه ربما تفاقم حتى وصل إلى حالة كارثية أصبحت فيها إراقة الدماء والتصفية العرقية والتهجير القسري هم أبسط الحلول لدى من يمتلك المال والسلطة وأدوات البطش.. فمع تراجع معدلات الحوار المباشر بين البشر، والذي سبق إنتشار وسائل التواصل الإلكتروني السريع، انحسرت فرص اللقاءات وتراجعت معدلات التزاور وتبادل الخبرات عن طريق التعامل والحوار المباشر، حدث هذا وتغلغل حتى داخل نطاق الأسرة ودور التعليم والعبادة ومواقع العمل، وبالتالي ظهرت شروخ ملحوظة في أسس العلاقات الإنسانية في العموم، وأصبحت هناك شبه عزلة مصحوبة بحالة من التنافر والرفض للأخر، وعزوف عن التقارب الفكري بين الأفراد والجماعات، وقد زاد من هذا  طغيان سيطرة وسائط التواصل الحديثة التي تمكنت من فرض واقع جديد وكأنه نمط من عزلة إختيارية طوقت من أدمنوا على استخدامها..

في الواقع إن طبيعة الإنسان تميل للمشاركات الجماعية، وفي هذا ظهر من الممارسات والأعراف والقوانين ما ينظمها.. وتلى هذا ظهور الأديان التي أحسبها ليست ذات طبيعة عدائية، وإن ظهر لأول وهلة كأن في هذا القول شيئاً من مخالفة الواقع.. فالدين بإعتباره عقيدة روحانية مجردة لا يقتضي نزاعاً بين الناس، إلا إذا تجاوز حيز المعتقد الروحاني إلى الأشياء المادية التي تدخل في معاملات الإنسان، فالنزاع عارض طارئ يتولد عن اشتراك أكثر من شخص في الحاجة لشئ معين متاح للجميع، وإن وجود مثل هذا الشئ بحالة لا يظفر بها إلا أحد الأطراف دوناً عن الأخر مع تساوي كل الأطراف في تلك الحاجة بما يعني صعوبة الاستغناء عنها، فيحسب هذا في ذاته إعلاناً من كل منهم صريحاً ببداية صراع، أو إشهار حرب إلى أن يظفر أحدهم بتلك الحاجة..  وقد مر عهد ليس بالبعيد كانت الصلة بين العاطفة الدينية وغريزة حفظ الذات من أحكم الصلات، لا بالنظر إلى المستقبل فقط، بل بالنظر إلى حياتنا في الماضي وفي هذا العالم أيضا..

فالصليبيون مثلاً أغاروا على المشرق بدعوى استخلاص راية الرب المقدسة من حوزة أعدائه..  وهذا هو نفس السبب الذي يعلنه المرتزقة من عصابات الشر المنتشرة حالياً في المشرق بدعوى محاربة الكفر..!  الأمر شديد التشابه وإن اختلفت المعايير، وكلاهما جرد الدين من صبغته بفعل وجود منتفعين نصبوا من أنفسهم وسطاء ووكلاء لأشغال الله على الأرض، وفي هذا كانوا وكأنهم يبيعون الرحمة والرزق لعباده بالمال في وكالاتهم التي أسموها زيفاً مساجد وكنائس ودور عبادة.. لكنهم مع ركب التطور وغلبة العقل والمنطق على الأسطورة، إنقلبوا رجالاً ليس لهم من الأسرار إلا ما في كل إنسان.. وعند هذا الحد تحولت تجارتهم تلك إلى العصبية والعنف والوحشية ورفض الأخر..!

اليوم وقد عرف الإنسان من أين تأتيه المنفعة ومن أين تأتيه الخسارة، وأدرك أن تلك الطائفة لا يد لها على هذه أو تلك، وأن الأمر مرهون فقط بعنايته أو تقصيره في تقييم الأشياء.. أحسبه قد عرف أيضاً أن الأديان لا تجعل الإنسان نجساً بطبيعته أو طاهراً بطبيعته، فالأمر كما أسلفنا لا يتطلب منه كيفما كان معتقده الديني إلا ما تقتضيه إنسانيته، التي لا تستلزم أن يكون مسلماً أو مسيحياً أو يهودياً.. لكن كل ما تستلزمه أن يكون عضواً عاملاً في بنية الهيئة الاجتماعية التي ينتمى لها..  في هذا الوقت فقط سترتد معدلات التعصب والعنف وتنحسر، وتعود المسائل الدينية إلى روحانيتها وإلى المساحات المحددة لها من مشاغل الحياة وعلاقات الإنسان بالإنسان..

ربما كفى ما تكبدناه من خسائر.. وعلينا فوراً قطع دابر تجارة الدين وتحويله على يد مرتزقة وهواة إلى سلعة مجردة من مدلولها الروحاني، وكذلك الكف عن توظيفه سياسياً لخدمة أنظمة الحكم، الأمر الذي أحسبه قد رسخ للأصولية والتعصب.. بمعنى أدق، يجب الشروع فوراً في الفصل التام بين الدين كقيمة تحكمها الثوابت العقائدية، وبين السياسة المليئة بالمتغيرات.. فكلما إنحسر طغيان رجال الدين وغلوهم عن بقعة عادت مجال وفاق ووئام بعد أن جعلوا منها عمداً ميدان للصراع والخصام والكراهية..!

 

 

التعليقات
press-day.png