رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

خالد البلشي يكتب عن: بلاغ المقال.. وجريمة مكرم محمد أحمد

وسط هجمات تلاحق الصحافة والإعلام من كل اتجاه، جاء خطاب مكرم محمد أحمد رئيس المجلس الأعلى للإعلام، لنقيب الصحفيين عبد المحسن سلامة بشأن جريدة المقال، ليكمل مشهد قمع الصحافة، مضيفا جريمة جديدة إلى جرائم السلطة في حق الإعلام، الذي تلقى هذه المرة رصاصة من داخله. أراد مكرم أن يحدد بهذه الرصاصة، وتوقيتها الخطوط الحمراء المسموح بالعمل تحتها وفي ظلها، مستعيدا مفاهيم قديمة طالما تم استغلالها في قمع الصحافة والصحفيين، فأهل مكة ونقيبها الأسبق أدرى بشعاب قمعها وتخفيض أسقفها وتقييد مساحات حركتها والمشي داخل حوائطها .

 فمنذ اللحظة الأولى التي أصبح فيها، من شغل يوما منصب نقيب الصحفيين الأسبق مسئولا عن الإعلام في مصر، بحكم منصبه، فإنه قرر أن يرسم للإعلام حدودا لا يتجاوزها، ويستكمل إعادته إلى كنف السلطة، فانتقل من الحديث عن حقه في مكتب وزير الإعلام وسياراته، إلى ضرورة إخضاع مجالس وهيئات الإعلام الثلاثة لإشرافه، لينتقل بعدها للحديث عن تدشين لجان لمراقبة أداء الإعلام دون أن يضبط مرة متلبسا بالحديث عن حرية الصحافة أو توسيع مساحات حركتها أو حتى الدفاع عن حقوق الصحفيين والإعلاميين.

 وهكذا ومنذ اللحظة الأولى لتوليه مسئولية المجلس الأعلى للإعلام، قرر الأستاذ مكرم أن يحول مجلسه إلى جندي في سرية الرقابة على الصحافة والإعلام وتحبيذ القرارات القمعية بحقها بل ومهاجمتها وتقديم البلاغات ضدها إن اقتضى الأمر.

 لم ير مكرم في منصبه إلا فرصة لاستعادة سطوة زالت منه واستكمال فرض هيمنة دولة توحشت في سنواتها الأخيرة، معلنا للجميع أنه قادر في «حكم الإعلام وإخضاعه» على أن يأت بما لم يأت به الأوائل، من وزراء الإرشاد القومي، إلى صفوت الشريف وأنس الفقي، فالرجل بخبرته الصحفية والنقابية ودوره العابر للحدود في تأميم العمل النقابي وإخضاعه للسلطة من مصر لتونس، يعرف كيف يحجم أحلام الحرية ويقتل نزوات الطموح الصحفي لدى الصحفيين.

 لم يكن أحد ينتظر من الأستاذ مكرم ، أن يستخدم خبرته للانتصار للحرية أو حتى الدفاع عن القواعد المهنية، فتاريخ الرجل في الدوران في فلك الأنظمة السلطوية والديكتاتورية معروف، أدركه مبارك، واستعان بخبرته بن علي، ولم يبخل بها على كل طالب، وتجلى واضحا في حربه ضد محاولات الخروج بقانون موحد للإعلام يحقق طموحات الصحفيين، في إعلام حر ومستقل.

ولذلك كان طبيعيا، أن يتحول نقيب الصحفيين الأسبق، والذي يفترض فيه الدفاع عن حقوق زملائه وإدراك القواعد النقابية إلى مقدم بلاغات في زملائه، متجاوزا القواعد التي أسس لها وبناها النقابيين الكبار، من أن الكلمة لا يرد عليها إلا بكلمة، وأن النقابة هي الجهة المنوط بها محاسبة الصحفيين، والمطالبات التي طالما نادوا بإرسائها من ضرورة اللجوء للنقابة واستعادة دورها قبل اللجوء للنائب العام، وأنه لا يجوز محاسبة الصحفي عن جريمة واحدة بفرض وقوعها مرتين، وهكذا بدلا من أن يلجأ مكرم محمد للنقابة التي كان يوما يجلس على مكتب نقيبها للتحقيق فيما رأى أنه جريمة مهنية، أو تجاوزا للظروف على حد قوله فإنه منذ اللحظة الأولى اختار جرجرة زملائه للنيابة، ثم مالبث أن انتقل إلى النقابة لإكمال عملية الإجهاز على حقهم في الكتابة، مطالبا بالعقاب ومحددا وسائله، فالرجل منذ اللحظة الأولى قرر أن يكون الحاكم بأمر الإعلام ولا راد لكلامه وقدره.

خطاب الأستاذ مكرم إلى تلميذه نقيب الصحفيين اليوم، لا يقف عند حدود كونه تجاوزا للقواعد والأعراف النقابية المعمول بها، ولكنه يرتقي لكونه جريمة نقابية ، فالنقيب الأسبق عجز حتى عن أن يتشبه بـ صفوت الشريف وزير إعلام مبارك، الذي سبقه إلى مكتبه الجديد بمبنى التليفزيون، فرغم أن وزير إعلام مبارك لم يكن صحفيا ولم يعرف طريقا لمكتب نقيبها إلا زائرا، فإنه لم يأت بما أتى به مكرم بل اختار اللجوء إلى نقابة الصحفيين عندما اعتبر أن أحد مقالات عبدالحليم قنديل يحوي سبا لمبارك.

لم يكتف من سكن يوما مكتب النقيب بتجاوز نقابته، بل أنه قرر أن يبتدع جريمة جديدة، ويرسم سقفا جديدا لكل صحفي وخطا أحمر يطارده أينما حل وهو سقف (ظروف البلد لا تحتمل) والذي زين به خطابه، وهو سقف يسهل على كل حاكم أو «مواطن شريف» استدعاؤه في أي وقت، وكل ظرف، وضد كل محاولة للنقد، فقد فعلها مكرم.

 قرر النقيب الأسبق أن يرسم الطريق للجميع بضرورة عدم الإكتفاء بمطاردة الصحفيين في النيابات والمحاكم، بل لابد من مطاردتهم في كل مكان، وأينما حلو وبكل اتهامات نص عليها القانون أو لم ينص فقد فعلها من شغل يوما مكتب نقيبهم.

خطاب مكرم لا يمكن فصله عن الظروف التي خرج فيها، ولا عن الملابسات التي أحاطت به، بدءً من حجب المواقع ومرورا بمطارادات الصحفيين بقضايا الإهانة ووضع 5 منهم على قوائم الإرهاب رغم تبرئة 2 منهم من الاتهامات بحقهم، وصولا إلى مكافأة كل أعضاء جبهة تصحيح المسار ومن شاركوا في فعالياتها بمناصب في التغييرات الصحفية الصادرة اليوم، وكذلك قرار إغلاق قناة صوت الشعب، في تمهيد مبكر لتمرير اتفاقية التنازل عن تيران وصنافير، ووصولا للهجمة المستمرة على الحريات العامة وحرية الصحافة منذ 3 سنوات والتي كان آخر فعالياتها الهجمة المسعورة ضد شباب القوى المدنية، وهي هجمة ترسم الطريق لسلطة قمعية لإكمال إحكام قبضتها والعصف بجميع الحقوق والحريات.

إن الطريق لمقاومة عسف وعصف السلطات الديكتاتورية، لا يمكن أن يكتمل دون أن يمر ببوابات محاسبة وفضح من يأسسون لقمعها، ويساعدونها في ترسيخ قبضتها والهجوم على المدافعين عن الحقوق، فبمثل هؤلاء ترسخ الديكتاتوريات أعمدتها، وبممارساتهم تجد مبررها لإهدار حقوق مواطنيها، وسندها في إكمال طريقها إلى مجهول ربما ندفع ثمنه جميعا من حريتنا وجزر أوطاننا .

 

 

التعليقات
press-day.png