رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب: «مدنيون وعسكر».. قراءة مختلفة للتاريخ

لم أجد في نفسي رغبة للسير مع السائرين فأضيع وقتاً وأستنزف جهداً في فحص ما قيل من تعابير لا أهمية لها من زاوية التحليل المادي للتاريخ حيث لا نتيجة ترجي من وراء الإستغراق بها سوي تمجيد عاطفي لصاحب تلك التعابير أو نعته بأسوأ الصفات –حسب موقع المُحلِل وموقفه السياسي- ليتحول التقييم الموضوعي من أجل إستنباط النتائج ودراسة آثارها إلي معركة شكلية برسمِ إنحيازاتٍ عاطفية ينتصر فيها صاحب الصوت الأعلي والأشد صخباً فيسود ضبابها الساحة وتتواري في ظله دواعي فهم الماضي لأجل بحث الحاضر وموجبات تغييره بغرض صنع مستقبل أكثر نضجاً في سياقاتٍ علمية.

"لن نُوَرَث بعد اليوم".. قالها "عُرابي" أم لم يقُلها..ليس مهما.. كانت هناك مُقدمات انتهت بالمشهد المهيب في 9 سبتمبر1881 أمام ساحة قصر عابدين.. لم يكن ذلك المشهد هو الأول في هذا العام إذ سبقه بستة أشهر كاملة موقف مماثل في قصر النيل.. فترة الستة أشهر تلك لا تعد في عمر الشعوب فترة طويلة تتراكم فيها الخبرات لكن رجلاً ديناميكياً عبقرياً إسمه "محمد شريف باشا" تفهم مطالب الأمة فاختصر المسافات وكَثَف الخبرات مساهماً بمنتهي الإيجابية في صنع الحدث الجلل.

الثابت تاريخياً أن قائد الجيش قد تصدر المشهد بشجاعة مُبهرة ومن خلفه نحو أربعة آلاف جندي بكامل سلاحهم والعتاد محتلين ميدان عابدين فحاصروا السراي الخديوية ليلقي قائدهم في وجه الخديوي بكُرة اللهب.. لم يقف الرجل في سبتمبر لأجل المطالبة فقط بمطالب "فئوية" سبق و أن قدم مثلها في فبراير من ذلك العام، لكن لأجل تحريك مياه السياسة النتنة دافعاً المجتمع بأكمله إلي الأمام..

كانت صدارة المشهد للرجل العسكري لكن في الخلفية كان يقبع الوطني الشريف "شريف باشا"..كانت المطالب ثلاثاً: "عزل رياض باشا، وتأليف مجلس للنواب، وزيادة عدد أفراد الجيش إلي 18 ألفاً". امتثل الخديوي وخرج الرجل العسكري من المشهد منتصراً كزعيم شعبي أوحد ليبدأ الصراع علي السلطة..

رفض "شريف باشا" مهندس المشهد بمنتهي الصرامة قبول الوزارة بديلاً "لرياض باشا" إلا بعدما ينسحب العسكريون الذي شاركوا في حصار السراي إلي ثكناتهم بل وطالب "عرابي" الذي خرج من المشهد زعيماً شعبياً أوحداً بالتعهد بالعودة للثكنات (علي الهامش وفي القلب، يروي جبرتي العصر "عبد الرحمن الرافعي" في الصفحة 235 من الجزء الثاني من مؤلفه الضخم "عصر إسماعيل"-الطبعة الرابعة لدار المعارف في 1982: وكان شريف باشا يري أن تدخل الضباط في شئون الحكم معناه نقل الإستبداد من يد الخديو إلي يد العصبة العسكرية، وهذا ليس من الدستور ولا من مصلحة البلاد في شيئ فقضي بضعة أيام متردداً في قبول الرئاسة حتي "واثقه" العرابيون" أن لا يتدخل الجيش في شئون الحكومة، فألف الوزارة في اليوم الرابع عشر من شهر سبتمبر سنة 1881.

عزز الدكتور "عبد العظيم رمضان" ما رواه جبرتي العصر في الصفحتين 101 و 102 من كتابه "أسرار هوجة عرابي"- طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب في 2001 حين روي أن "عرابي" كان قد أصدر وثيقة جاء فيها أنه "يتعهد بتمام الانقياد لأوامر دولتلو شريف باشا وأن الجيش هو القوة المنفذة لما يصدر إليها من الأوامر التي تكون إن شاء الله في خير البلاد وصلاح العباد")..

لم يكن "شريف باشا" إنتهازياً "كعلي ماهر باشا" ولم يكن متردداً كالدكتور "محمد البرادعي" حين قبل كل منهما المشاركة بالحكم دون شرط عودة ضباط يوليو 1952 و 2013  إلي الثكنات.

انعقد مجلس النواب في ديسمبر 1881 وعندما أراد إقرار الموازنة فيما يتعلق بالجزء غير المخصص لسداد الديون، اعترضت فرنسا وبريطانيا علي ذلك علي أرضية أنه في حال عدم كفاية الجزء المخصص للديون للوفاء به فمن حقهما الإقتطاع من الجزء الحر (إن صح التعبير)، فطلب "شريف باشا" إرجاء الأمر لحين التفاوض مع الدولتين لإن إقرار هذا الأمر يعني تعرض مصر لتدخل عسكري ليست مستعدة لمواجهته وهو ما رفضه النواب وسقطت بموجبه وزارة "شريف باشا"، فاستقال وهو من كان بيده - ووفقاً للدستور- أن يطلب من الخديوي حل مجلس النواب كبديل لإستقالته شخصياً لكنه أبي أن يفعل ذلك احتراماً للدستور وللبرلمان الذي كان قد بلغ من العمر شهراً واحداً فقط ليتم تعيين الأميرالاي "محمود سامي البارودي" رئيساً للوزارة في فبراير 1882 ليبدأ أول عهد مصر بتدخل الجيش في أعمال السياسة فيحدث بعد ذلك كل ما حدث.

نعود إلي مؤَلف جبرتي العصر وفي نفس الصفحة المشار اليها أعلاه حين يقول: "كان شريف باشا يمثل الناحية المعتدلة من الثورة العرابية ولو بقيت الثورة مناصرة له، مستمعة لنصائحه، لسارت في طريق الحكمة والسداد ولأمنت البلاد شر الإحتلال، و لكن الثورة ركبت متن الشطط من يوم أن انفصلت عن شريف باشا أو انفصل هو عنها، فغامرت بالبلاد ومستقبلها وعرضت استقلالها للخطر".

 

التعليقات
press-day.png