رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

كارم يحيى يكتب: خمسة يونيو في خاطري و روحي ودمي

قبل خمسة يونيو 1967 بنحو خمس سنوات كنت قد انتقلت من النظر من بلكونة جدتي بالعباسية ( القاهرة ) بالطابق الثاني المطل على الترماي وعلى الناس من قرب الى بلكونة بالطابق السابع بوسط مدينة المنصورة . وربما مع هذا الانتقال واختلاف النظر من مسافات لم أعد اكترث أو استفهم عن تلك الأصوات التي كانت تأتي ليلا ومتأخرا وأنا في حضن أمي وقد امتزج فيها صوت ذهاب الترماي الى المخازن بأنات وصراخ معذبين من قسم "الوايلي" أمام عمارة " البحيري " حيث كناوجدتي لأمي ( رحمهما الله ) .

في البداية ولسنوات بالمنصورة الجميلة استهواني النظر من عل للاستعراضات بالموسيقي والملابس البوليسية والعسكرية قرب مقر البلدية ومسرحها مع ان الأمر لم يخل من بعض كوابيس عند النوم خشية السقوط من كل هذا الارتفاع .

كنت طفلا لم أبلغ التاسعة من عمري عندما جاء يونيو 1967

قبلها بايام معدودة كنت من عل اتابع مشغوفا استعرضا عسكريا ومظاهرة شعبية تحتفي بزعيم العروبة ومحرر فلسطين المنتظر جمال عبد الناصر بعدما اغلق مضايق تيران .وتيران وسيناء كانا هناك بكثرة على لافتات قماش ابيض بخطوط حمراء . كان الأمر مبهرا إلى حد ما زال محفورا في ذاكرتي . وكنت بالشرفة الطويلة لشقتنا على هيئة حرف ( إل ) بالانجليزية قد وضعت بحماسة وفخر عشرات من الطائرات الورقية الصغيرة التي صعنتها مما تبقي من فيض ورق ابيض لكراسات العام الدراسي التي غادرت . وبعدما علمني زميل في المدرسة كيف اصنع طائرة بجناحين وازينهما باللونين الاحمر والاسود بعلامات دائرة لطيراننا وجيشنا الذي لايقهر

صبيحة يوم السادس من يونيو لا حظت من عل أن اللافتات المعلقة احتفاء بالنصر وبعبد الناصر اسفل في شوارع وسط المدينة قد تهدلت وطوحها الهواء الى الارض من هنا أو هناك . كان المشهد بائسا وفاجعا وصادما . ولا اعرف الآن هل كنت قد علمت بنبأ الهزيمة الكارثة أم لا . لكن ما يعلق بذهني ان الطائرات الورقية كومها الهواء سريعا في ركن بالشرفة ممزوجة بتراب الإهمال .ويبدو انني سقطت مريضا او غير مكترث بها .

وربما كنت قد علمت يقنيا بالهزيمة مع مشهد بكاء أبي ( رحمه الله ) الذي ما زال لا يغادر الذاكرة .. بكاءا لا اظنني رأيته عليه من قبل أو بعد مع انه لم يكن يوما من "مداحي عبد الناصر او منافقيه او حتى المتيمين به " .

واليوم بعد خمسين سنة ادرك بحساب الايام والشهور انني عندما وقعت 5 يونيو 1967 كنت أقل من تسعة سنوات بنحو ثلاثة اشهر مع انني ظللت حتى اليوم اعتقد انني كنت قد بلغت التاسعة من عمري

اعتقد انني في تلك الايام البعيدة كبرت على نحو يفوق الثلاثة اشهر التي اختلستها في كل كلامي الشفاهي مع الاصدقاء عن ذكري الهزيمة .كبرت بسنوات وسنوات . وحتى ما اعتقدته عندما شاهدت وهجا أحمر من الشرفة بعدها بأيام بانها احتراق معامل تكرير البترول بالزيتية بالسويس لم يعد محل ثقة ويقين .. فالمسافة بعيدة بعشرات الكيلومترات.نحو مائة كيلو مترا . وأنا الآن اشك في انه ربما احدي حرائق لصوص المال العام حينها لممارسة السرقات في وقت الجرد.

على اي حال 5 يونيو مهم جدا في وعي ولا وعيي وفي حياتي أنا ايضا .. على الأقل لم اكن صغير الى هذا الحد الذي اعتقدت .. وعلى الأقل لم اعد اثق في الاستعراضات المبهرة بالموسيقي والملابس الرسمية ولا في المارشات العسكرية .لكنني لم افقد والى الآن تعلقي بالوطن و بفلسطين والعروبة وبالحقوق والانسان .ولم اكره عبد الناصر بقدر كراهيتي للسادات ومبارك.وربما لم اكرهه قط .لكنني يقينا اصبحت انظر له بكثير من النقد وعلى انه غير مقدس ولا يمكن ان يكون مقدسا .هو أو اي زعيم او رئيس أو حاكم . او اي شخص كان .

..............................

ومع كل هذا أيضا فعندما ذهبت في يد أمي الى محلات " بنزيون " القريبة من عمارتنا بوسط المنصورة ـ وكانت مملوكة للدولة ـ وجدتني اقاطع حديثا مع البائع لاطلب "بدلة ضابط بنجوم " .نظر الي الرجل بحسرة نظره لن انساها الى الموت وقال لي ببساطة :" اذهب لشرم الشيخ ستجد منها بالكوم "

ربما لم ادرك المعني في التو . ولاشك انني سألت أمى فعلمت شيئا ما عن ملابس الضباط والعساكر الملقاة في شرم الشيخ بسيناء ..ملابس لمصريين قضوا في الحرب وقد تلطخت ثياب الموتي بدماء غالية او لمصريين خلعوا ملابسهم هربا من الجحيم وقبله كارثة الاهمال وسوء ادارة الحرب والسياسة. واعتقد ان اسم شرم الشيخ قد جاء الى ذاكرتي بعد مضايق تيران ..

..........................

ويريدوننا ان ننسي

تيران وصنافير

مصرية مصرية

التعليقات
press-day.png