رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

د. هالة فودة تكتب: رسائل من داخل مقابر النظام (أبطال تيران وصنافير)

وصلتني رسالة من داخل أحد السجون لشاب يقضي فترة حبسه دفاعاً عن مصرية جزيرتى تيران وصنافير. أثارت الرسالة في نفسي مزيج من الألم و الفخر.. الألم من أن يكون إنسان من داخل محبسه مازال راغباً في دفع مزيد من الثمن بينما يقضي راضياً زهرة شبابه "داخل مقابر النظام" علي حد تعبيره.. والفخر مبعثه وجود مثل هذا الشاب البطل و كثيرين غيره يلقنوننا من خلف قضبان الزنازين دروساً في الوطنية والثبات والأمل ما أحوجنا إليهم في لحظات الإنكسار وإنحسار العزائم.

يحدثني صديقي السجين عن مخاوفه من تمرير البرلمان لإتفاقية ترسيم الحدود مع السعودية وتسليم تيران وصنافير التي كان دفاعه عنها سبباً في فقدانه لحريته مثلما فقد الألاف من قبله حياتهم في سبيل الحفاظ علي كل ذرة رمل من رمال الوطن دون أن يعلموا أنه سيأتي من بعدهم مَن يعطى من لا يستحق ويبيع مالا يملك. ويري صديقي السجين أنه من وراء القضبان مازال قادرًا علي الإحتجاج ورفض الإتفاقية المشبوهة وإحراج نظام لم يخجل من ملاحقة الأبطال وحبسهم . ويختتم صديقي رسالته مؤكداً "نحن لا نخشي جدران أو سجّٓان.. فسجننا شرف علي صدورنا وعار علي سجانينا". صدقت يا صديقي، فلم تحجب جدران السجون يوماً صوت الحق ولم تنجح ظلمة الزنازين في طمس معالم الطريق إلي الحرية ولا في تشويه البطل والإحتفاء بالخائن.

ذكرتني تلك الرسالة برسائل أخرى لمعتقلي الأرض علي مدار عام شهد حملة من الملاحقات الأمنية والحبس لكل من يهتف بأن الأرض مصرية. تذكرت رسالة زيزو عبده التي يحكي فيها من داخل مقابر النظام كيف أن "السجن شيء مريض يقبض روحك، ويقتل داخلك كل ما هو آدمي، تبقى نقطة ضوء لا تعلم مصدرها، ولكنك تتشبث بها كطوق نجاة... وتتمتم بداخلك "ستنجلي تلك اﻷيام الموحشة"، ويرتفع الصوت بداخلك أكثر وأكثر مرددًا: اشتقت إلى الحرية". نعم، إشتقنا إليها جميعاً من خلف أسوار سجننا الأكبر، وحتماً ستأتي في يوم قريب.

ولا أستطيع نسيان رسالة حمدي قشطة المؤثرة التي وجهها من داخل محبسه بمعسكر الكيلو 10 ونص إلي الحرية، معلناً فيها الإضراب عن الطعام من أجل قضيته: "واحشاني جداً يا حريتي وأعرف كويس إنه مينفعش تتقيدي أو مش أشوفك حتى لو كلفني موتي انتى تستحقي ده، حرية الأرض تستحق ده عدم التفريط في أرضنا يستحق ده سماع صوت عياطك وأنتى لسه صغيرة يستحق ده اتأكدي إني هوصلك وهعيشك وهحضنك إعرفي إني رافض أتحبس واتحاكم في قضيتين بتهمة واحدة تهمة إني رفضت بيع أرض البلد وقولت إنهم مصريتين آه والله متستغربيش الأرض إللي استشهد فيها واتأسر جنود زيي وزيك يا حرية مصرية وعايزك تكوني متأكدة تماماً إنهم فعلاً مصريتين دم الجنود إللي استشهدوا فيها هو إللي قال قبل ما يقول الورق والتاريخ والمواثيق والاتفاقيات. وبعد كده حكم محكمة أكد إنهم مصريتين ولا يجوز التفريط فيهم. ورغم كل ده اتحكم عليا بـ 3 سنين ومائة ألف جنيه يا حرية أصلاً قالولنا زمان إن الدفاع عن أرض الوطن واجب وشرف ، حمدي قشطة الذي رُزق بإبنة وُلِدَت وهو داخل السجن ولم يحضر ميلادها أسماها "حرية" لتكون رسالة أخري منه تذكرنا أن المستقبل للحرية .

أما مينا ثابت فأرسل لنا من داخل محبسه رسالة يؤكد فيها: "أنني بتُ أدرك حقيقة القول "احنا مش بنخاف من السجون، أحنا بنكرهها" والحقيقة إنها تستحق البغضاء لا الكراهية فقط" ولكن علي الرغم من وحشة السجون والحبس الإنفرادي يظل الأبطال مؤمنين بحتمية الخلاص وقرب الحرية.. يقول مينا في ختام رسالته: "كلي ثقة بأنه سيأتي اليوم الذي نجتمع فيه ثانية وسنضحك على تلك الرسالة وخطي القبيح، لا أعلم إن كنت سأتمكن من الكتابة إليكم مرة أخرى أم لا، أو إن كنت سأخرج من محبسي سريعا أم لا، ولكن واثق أنني لست وحيدا وأعلم أنكم جميعا معي ولن تنسوني".

ومن طنطا تأتينا رسالة جماعية من ثلاثة أبطال (أحمد أبو ليلة وإبراهيم سمير وعبدالرحمن سمير) هتفوا فيها علي الرغم من صغر سنهم في بلاغة مؤثرة : "الحرية لضمير العدالة قبل ما يموت، الحرية للنسر اللي متكتف فوق كتاف الضباط عافية، الحرية للأرقام اللي في كشوف المعتقلات، الحرية للحضن اللي نفسه يعدي من سلك الزيارة ، الحرية للصبح اللي بيتحايل علي القضبان يدخل عشان نشوفه، الحرية لاصحاب القضية اللي اتنسوا، الحرية للحرية.."

رسالة أخيرة أتت من داخل السجن يقول مرسلها: "لابد للثوار أن يملئوا الأرض ضجيجاً كي لا ينام العالم بثقله علي جثث الفقراء" ثم يوصينا في شهر رمضان: "لا تشبعوا بالطعام و أنتم جياعاً للحرية".

تأتي رسائل معتقلي الأرض من داخل السجون بمثابة نسمات من الحرية والأمل لتخفف عنا نحن المعتقلين خارج القضبان وما نشعر من يأس وإحباط.. تأتي لتؤكد لنا أن هناك أحياء داخل مقابر النظام أكثر من الموجودين خارجها.. يرسلون صيحاتهم لعلنا ننتبه ونتمسك بما يوصونا به فلا نفرط ولا نخنع ولا نستسلم لوحشة سجننا الكبير ولا ندعها تقتل فينا الأمل ولنهتف معهم حتي أخر رمق مثلما هتفنا في السادس عشر من يناير 2017 فزلزل هتافنا "مصرية.. مصرية" جدران قاعة مجلس الدولة. نعم، سنظل نهتف "تيران وصنافير مصرية" وسنظل نطالب بالحرية لكل معتقلي الأرض.

هناك أحياء داخل مقابر النظام المسماة بالسجون.. وهناك أموات على مقاعد النظام ماتت ضمائرهم وتأهبوا للتفريط فيما لا يملكونه وإغتصبوا حقاً لم يمنحه لهم شعب ولا دستور ولا قانون وتعالت أصواتهم تسوق للخيانة ولبيع الأرض حرصاً علي مقعدهم فى السلطة ونسوا أن العار كل العار سيلاحقهم علي جريمة سيسجلها التاريخ ولن يحميهم أحد من المحاسبة بتهمة الخيانة العظمي إن باعوا ضمائرهم وفرطوا في أرض الوطن.

قائمة الشرف ستطول وتفخر بأسماء أبطال الأرض كما أن قائمة العار ستلاحق كل خائن. واهم من يظن أن بإمكانه الإفلات من المحاسبة وإغتصاب حبة من رمال بلد قهرت الطامعين فيها علي مر العصور.. واهم من يحاول حبس شعب سلاحه الأمل والإرادة.. واهم من يراهن علي الظلم والقهر.. يموت السجَّان وتبقي الحرية.. فلا سجن يستطيع أن يحبس إرادة الحياة.

 

التعليقات
press-day.png