رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

محمد أحمد فؤاد يكتب: مصيدة الحمقى..!

هل يتجاسر أحد من الحكام العرب المعاصرين ويعلن صراحة أنه يملك سلطة إتخاذ قراراته..؟  سؤال لن أطرح إجابته الأن حتى نعبر عزيزي القارئ معاَ تلك السطور..  والتي أحسبها ستكشف لنا بعض الخبايا في كواليس تلك اللعبة السياسية المعقدة..!

الثابت من واقع الأحداث أن هناك ثمة مطاردة شرسة بين قطبي الصراع العالمي الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، حيث يسعى كل طرف لتثبيت دعائم نفوذه على أكبر رقعة ممكنة من خارطة الشرق الأوسط الجديد..  مطاردة لا أحد يعلم مداها حتى الأطراف المعنية نفسها، لكنها بالقطع لن تؤدي إلى أي تسوية للأزمات العالقة بين الدولتين.. فروسيا رأت في الهجمة الصاروخية الأمريكية على قاعدة الشعيرات الجوية السورية إشارة مباشرة بأن الولايات المتحدة جادة في عدم السماح لها بفرض هيمنتها على منطقة الشرق الأوسط، بل وأنها في هذا لا تعبأ بأي إتفاقات أُبرمت على سبيل التسوية السلمية للوضع المتردي هناك...

كان على دونالد ترامب أن يُقدم على تلك الخطوة الخطيرة كي يرضي النخبة السياسية الأمريكية، وليدفع عن نفسه شبهة الولاء لروسيا التي تلاحقه بشراسة مؤخراً من خلال تحقيقات رسمية وغير رسمية.. ترامب لم يجد غضاضة في زيادة النفقات العسكرية للناتو، وفي أن ينسحب من إتفاقية باريس للمناخ التي وقع عليها سلفه باراك أوباما، فقط  ليؤكد على موقفه السلبي من روسيا والاتحاد الأوروبي ريثما تهدأ رياح الفضائح والتحقيقات العاصفة في واشنطن، وهنا ربما يجب أن يتجمد الحديث عن مستقبل العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لحين إشعار أخر.. لكن الأكيد أن أي من الأطراف سوف يتجنب المواجهة المباشرة حرصاً على عدم تعظيم الخسائر التي باتت الأكثر فداحة لكل فيما يخصه..!

ربما وجد دونالد ترامب ضالته المنشودة في منطقة الشرق الأوسط، التي دائماً ما كانت مستعدة لرحلات قنص مادي أو سياسي يقوم بها سيد البيت الأبيض إذا ما ضاقت به السبل إقتصادياً أو معنوياً في بلاده..  اللوبي القوي داخل أروقة الكونجرس ينتظر من القادم الجديد قربان عظيم، لا يقل في شأنه عن الخدمات التي أسداها له رجال الحرس القديم من الجمهوريين هناك، والتي أتت به إلى سدة الحكم على عكس أغلب التوقعات.. فعلى أقل تقدير سينتظرون منه الوفاء بوعود إنتخابية قطعها على نفسه ولا مجال للمساومة عليها..

ترامب تاجر ماكر يجيد لغة المال والقوة، لكن يعيبه أنه متسرع قليلاً ولا يوجد لديه فريق عمل قادر على تقديم دراسات دقيقة لأرض الواقع وحساب متغيراتها، لذا نجد أن ردود الأفعال قد خانت تقديراته غير ذي مرة كما حدث أمام السواحل الكورية.. لكن مع العرب وقادتهم فالأمر مختلف، فهم أوضح من شعاع الشمس في واقعهم وسلوكهم ونزواتهم وصراعاتهم، وتطلعاتهم أيضاً..  حتى أرصدتهم الشخصية في البنوك محسوبة لديه بدقة متناهية.. وهم ليس بينهم حالياً من يستطع الإمساك بزمام أي من الأمور المصيرية، وربما الشخصية إلا بالعودة إليه هو شخصياً.. الأمر الذي بات جلياً من خلال تهافتهم جميعاً على نيل الرضا السامي بمحاولات التقرب والتزلف التي جاوزت حد حفظ الكرامة أحياناً بعد فوزه بمقعد الرئاسة...

ترامب زار الرياض كأول محطة له في جولته الرئاسية الأولى بعد أن أنعش خزائن دولته من أموال مملكة النفط المقدس برقم غير مسبوق على الإطلاق  في عالم صفقات التسليح التي وقعها أي رئيس أمريكي.. بالطبع كان لابد من التقدمة للأمر وكأنه إتفاق تاريخي وتحالف غير مسبوق، بينما في واقع الأمر هو لا يعدو كونه مصيدة لا يقع فيها إلا مجموعة من الحمقى لا يبصرون حتى تحت أقدامهم..  إستقبال أسطوري شديد البذخ، ورقص العرضة الخليجية، بينما على بعد أميال معدودة يسقط الألاف من الأبرياء تارة بالرصاص والشظايا، وأخرى بالطاعون المتفشي على إثر الحرب الهمجية الممتدة شمال وجنوب عرش آل سعود.. إتفق الجميع على غسل أياديهم من جفنة الدم وتبييضها بواسطة بلورة بيضاء غامضة أضفت على المشهد صبغة كهنوتية كوميدية بلا معنى أو معالم..  رجل البيت الأبيض تحدث أولاً وحدد العدو القديم الجديد..! إنها إيران هذا القربان السحري الذي سيكون بمثابة المخدر للمضيف السخي بإقتدار، وهي أيضاً الأكسير الذي سيؤجج أواصر الصداقة مع سكان المحطة التالية في تل أبيب، وكذلك الآدة المناسبة لصفع الإتحاد الأوروبي المارق بحسب إتفاقيات جنيف ورفع العقوبات الإقتصادية عنها في عهد سلفه أوباما..  قال ترامب أنها ذراع الإرهاب الأول في الشرق الأوسط وأنها شيطان أخطر من الخطر ذاته، متجاهلاً بهذا قانون جاستا سئ السمعة المصدق عليه من الكونجرس، والموجه لمن دعموا عصابات الإرهاب وأغلبهم من السُنة، وكذلك متنازلاً عن آراءه السابقة في المملكة العربية السعودية تحديداً أثناء حملته الإنتخابية.. لكن لا بأس، فليس على ضيف العربان حرج، وكذلك فالثمن جد مغري وربما لا تتكرر مثل تلك الفرصة مرة أخرى..!

ترامب دعم فكرة تشكيل ما يسمى الناتو العربي، وهي فكرة طموحة للغاية، لكنها ربما لا تلائم الوضع الحالي وتحتاج لدراسات متأنية..  فالعلاقات بين الدول العربية لم تتسم مؤخراً بأي ود أو حميمية، بل تجاوزت هذا إلى مسائل تصفية الحسابات والتخوين وحروب تكسير العظام، ولا ننسى أن هناك تداخل شيعي سني في العديد من الدول المحورية ربما يزيد من فرص الصراعات الداخلية ولا يقضي عليها..!  وهنا يبقى السؤال: ألم يدرك القادة العرب تلك الحقيقة قبل أن يقبلوا من رجل البيت الأبيض إملاء شروطه عليهم وتوجيههم كعرائس الماريونت التي تحركها يد محترفة لا تظهر للعيان إلا بعد إنقضاء العرض..؟

بئس هذا من إتفاق..  فكيف يرتضي ملوك وأمراء ورؤساء أخطر بقعة على وجه المعمورة بهذا الهوان..؟ ثم تتوالى التبعات التي تربك الحسابات أكثر وأكثر..  يخرج مع ضوء فجر غائم قرار تم تمريره ليلاً يقضي بقطع العلاقات مع دويلة قطر وحصارها إقتصادياً، ويتبنى هذا القرار مصر والمملكة العربية السعودية ومملكة البحرين ودولة الإمارات العربية المتحدة كأوصياء.. مصر لها تاريخ حافل من الشد والجذب مع تلك الدويلة العميلة منذ العام 1995، ومازال يلقي بظلاله على تلك العلاقة المتوترة دائماً، لذا فلديها عشرات الأسباب التي تؤدي لمثل هذا القرار، لكن التوقيت مريب ومفاجئ..!  أما الدول الثلاث، وهي الدول الأقرب جغرافياً لدولة قطر من دول مجلس التعاون الخليجي الستة، فكان قرارها بمثابة خطوة مربكة لمنطقة تعج بالمفارقات والمتناقضات.. فالسعودية تبحث عن حشد للحلفاء طمعاً وراء حلم تسيد المنطقة بعد صفقتها الكبرى التي ربما أتت على حساب قضايا عربية مصيرية، والإمارات العربية تسعى لتثبيت قدراتها الإقتصادية في منطقة الخليج مقابل المشروعات المحتملة جراء تصفية الوضع الجيوسياسي شمالاً واحتمال إقتراب دولة الاحتلال الإسرائيلي على حساب تراجع محتمل لإيران، أما البحرين فهي تسعى دائماً للإبقاء على وضعها الاستراتيجي متوازناً وعرشها بالمنطقة آمناً مع كل ما لديها من صراعات وإزدواجية مذهبية..!

أغلب الظن أن قرار المقاطعة لم يُعد في قصور الخليج، لكن تمت تسويته بعناية في مطبخ البيت الأبيض.. فإيران العدو المعلن ليست بالخصم الذي يسهل إستدراجه لفخاخ ساذجة، خصوصاً أن كان ظهيره الدب الروسي هو طرف أكبر محسوب في تلك المعادلة شديدة التعقيد.. لكن ربما يمكن الكشف عن النوايا عن طريق تضحية مؤقتة بعنصر غير مكلف كدويلة قطر..!  لم لا، وهناك إتفاق ضمني على محاربة الإرهاب، والأخيرة لم تهدر أي فرصة لكي تجعل نفسها داخل عمق دائرة الشبهات.. وعلى النقيض، فهي أيضاً بطاقة ذكية يمكن توظيفها لتحقيق العديد من الأغراض، كالتقارب العربي الإسرائيلي المحتمل مثلاً، وكذلك تحقيق فكرة الناتو العربي الذي سيكون بمثابة الخادم الأكبر لطموحات العم سام في قاعدته العسكرية لديها، وكذا إستغلال خبراتها وعلاقاتها في التعامل مع كافة الحركات الإنفصالية والسرية التي يستطيع بها العم سام هز العروش حينما يريد..!

الإدارة الأمريكية الجديدة تسعى لتحقيق مكاسب ثلاثة هامة وبأقل تكاليف..  الاحتفاظ باليد العليا في منطقة الشرق الأوسط وعدم السماح لروسيا أو الإتحاد الأوروبي أو الصين بمزاحمتها هناك، ثانياً ضمان تدفق النفط ووسائل التمويل من الجيوب الخليجية العامرة والسيطرة على طرق التجارة في مقابل الحماية المزعومة، وثالثاً توفير ضمانات أمنية كافية للحليف الأبدي دولة الإحتلال الصهيوني أمام أي تهديد عربي أو إيراني في المستقبل، وبالطبع هذا أمر لا يعيبها في شئ إذا ما تحدثنا بلغة المصالح..  لذا أحسب أن هناك رؤية أمريكية شيطانية تتبنها إدارة ترامب مفادها أن تحقيق الأهداف السالف ذكرها سيتوافر فقط من خلال إخلاء المشهد من الكبار لرفع الحرج عنهم، والإعتماد على الجيل الجديد وتجهيزه لإرث المنطقة.. ويتأتى هذا بدعم ولي ولي العهد في البلاط السعودي محمد بن سلمان الذي يمثل والده كممول ثري لأي صفقات مستقبلية، وعلى نائب ولي العهد لدولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم الذي يظهر بالإنابة عنه في المشهد السيد/ يوسف العتيبة سفير الإمارات لدى واشنطن.. وعلى الجانب الأمريكي يتصدر المشهد جاريد كوشنر صهر دونالد ترامب ومستشاره لشؤون الشرق الأوسط ومكافحة الإرهاب، والصديق المقرب للكيان الصهيوني وحكومة الإحتلال الإسرائيلي..

ربما هكذا يتضح لنا من أين تأتي القرارات وكيف تُملى الشروط..!  ظهور وزير الخارجية السعودي متلعثماً حينما تحدث عن قرار المقاطعة الأخير ينم عن عدم إقتناع، وبيان الرئاسة المصري أقل ما يوصف بأنه يفتقر لحسابات دقيقة عن التبعات والأثار المستقبلية، وكذلك تحركات الإمارات العربية للحصول المبكر على إرث قطر الإقتصادي في المنطقة تشي بنوايا مبيتة، ثم بعد ذلك هرولة حكام مجلس التعاون لمحاولة إحتواء الأزمة وتداركها مبكراً، كلها أمور تبوح بأن القرار غير مدروس، وربما لم يخرج من المنطقة في الأصل، لكنه فُرض عليها وفي غفلة من أولي الأمر.. إنها مصيدة للحمقى مع الأسف لا مجال للفرار منها في الوقت الحالي.. والعيب كل العيب على أنظمة مترهلة خذلت شعوبها وتصدت لصراعات ومؤامرات أحطت من شأنها وشأن شعوبها وأفقدتها الهيبة، وأضاعت أي فرص للتنمية والتقدم لحين إشعار أخر..

تُرى كم من الوقت سننتظر حتى يأتي جيل نابه، مستقل وحُر يستطيع أن يصحح المسار ويخرج من عباءة التبعية التي لا تزال الزي الرسمي المفضل للحكام العرب..؟       

 

التعليقات
press-day.png