رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

محمد شعبان يكتب : حتمية الانبعاث الجديد

من سنن الكون الخالدة أن كل هبوط يتبعه صعود .
وكل كساد يتبعه انتعاش .
وكل غروب يأتي بعده شروق .
وأن الشمس عندما تشرق يجب أن تجد أناسا يستقوون بطاقتها ويسيرون علي ضوئها وإشعاعها .
ويقيني بان هذا السكون البادى في مجتمعنا سيتبعه حتبا انبعاث جديد
هذا الإنبعاث سيكون وليدا لطموحات وآمال ونابع عن إيمان صادق بأهمية الإنسان في رسم محاور الإرتكاز لنهضة الأوطان
لهذا حينما يأتي وقت الانبعاث فيجب أن يجد الإنسان المملوء بطاقات الأمل والطموح والذي تكتنفه الرغبة الجامحة في التضحية لأجل البناء وإسعاد البشر . فتلك هي فطرة الإنسان النقية التي فطره الله عليها .
حتما سنتقلب الموازين وسيعود الحق بصوته العليّ . ولكن هل سيجد هذا الحق من سيسوق له ويجعل الناس يقبلون الحق بالحق ولو علي أنفسهم ؟1
إنه الإنسان الذي علي كاهله سيبني هذا الوطن وسيحمل أمانة إحقاق الحق فيه وفصم عري الباطل وإزهاقه ، وهو أيضا من سيسير في الطرقات حاملا مشعل النور في يده يضيئ الطريق ليذهب بظلمات الجهل والفساد ويستعيد نور العلم والعمل .
ليكن من الآن أن يستعد كل منا للإنبعاث الجديد . فإصلاح الأوطان لا يتسني أن توقف مسيرته عثرات الإحباط واليأس والقنوط . وإنما يحتاج إلي إيمان قوي وعزم فتي . إيمان بالله الواحد الذي خلق الأرض واستعمر الإنسان فيها ، وأمره بالإصلاح لينظر كيف يعمل . وإيمان برسالاته التي نزلت علي الرسل لتخط تخوم الحق وتحفظ علي البشر أعراضهم ودمائهم وأموالهم ونسلهم ومن قبل كل هذا ايمانهم بخالقهم وبالغاية التي أوجدهم من أجلها علي ظهر البسيطة ، وإيمان بالإنسان الذي أبدع الله خلقه وتكوينه ، فخلقه حرا ، وكرمه وفضله علي سائر من خلق تفضيلا ، ذلك الإنسان ذي المقومات الخلابة التي صعدت به إلي سطح القمر ، ذلك الإنسان ذي العقل المبدع الذي زكاه الله به علي سائر المخلوقات وأمره أن يوظفه في التدبر وإطلاق النظر لتدبر وتعقل هذا الكون الفسيح ليجلب منه الخير علي البشرية جمعاء .
إنه الإنسان محط أنظار الأمم جميعا فهو الذي تهزم به أوطان عبر استعباده وتركيعه والذهاب بكرامته واسترقاقه والنزول بمستواه إلي مستوي السوائم. وهو الذي تسعي من خلاله الأمم المتمدينة - عبر إدخاله كمحور من محاور صراع الحضارات – إلي إذلال الشعوب وفرض التبعية عليها .
ذلكم الإنسان أيضا الذي يبني وينهض ويخترع ويبدع ويزرع ويصنع ويعلم ويتاجر ، هو محور ارتكاز الأوطان . لذلك قيل وبحق أن بناء الأوطان يسبقه بناء الإنسان .
لذلك فحري بحركات الإصلاح السياسي التي تسعي للإستعداد للإنبعاث الجديد أن تغير من استراتيجياتها الحركية . بتغليب نشاطها و حركتها لصالح ذلك الإنسان .
فالوطن الآن يحتاج إلي صياغة منظومة قيم جديدة . وبتعبير أدق ، يحتاج إلي تجديد حقيقي في منظومة القيم المجتميعة ، فقيمة المواطنة بما تتضمنه من معاني التكافل والتضامن والمواساة والتعايش وقبول الآخر تحتاج إلي تجديد وترسيخ . وقيم الأخلاق والدين كذلك تحتاج إلي تجديد يذهب بالعقول لتحط بتفكيرها واجتهادها وبحثها عند المقاصد الكلية وتطلق الإجتهاد للبحث عن مقومات تحقيق تلك المقاصد .
منظومتي المواطنة والأخلاق والدين نقطتي الإرتكاز المبدئيتين في بناء الصرح المعنوي للإنسان . والذي سيحتاج إلي مزيد من المقومات الأخري التي ستعزز وتنمي لديه منظومة الفكر والادب والثقافة والعلم والبحث العلمي والتي ستسوقه بقوه إلي المشاركة في الحياة العامة بكل إيجابية فستراه بعد ذلك يبني ولا يهدم ، ييسر ولا يعوق ، يشارك ولا يغالب مأخوذا في ذلك بمرجعيته التي ترتكز علي إعلاء قيمة الوطن الذي يعيش فيه والذي سيكون محضنا آمنا يباشر فيه كل أنشطته الدينية والثقافية والعملية والسياسية بكل حرية واقتدار ليخرج من ذلك بفلسفة جديدة نحو بناء حضارة نباهي بها الأمم .
لنضع إذن نصب أعيننا علي الإنسان . فكل منا إنسان ، سيبدأ بنفسه ليقوي دعائمها ، فإن كان في قبله فساد فهو أعلم بنفسه ، فيسعي إلي إصلاحه مستهديا في ذلك بقيم الدين وما يفرضه من وازع يلجم صاحبه علي اتيان المعاصي والخطايا . وإن كان في سلوكه اعوجاج وعدم تكيف مع منظومة القيم المجتمعية النابعة من النظام العام الذي يؤمن به المجتمع فليلجم وساق نفسه ويلزمها باحترام منظومة الأخلاق ، وأنه إذا أراد أن يباشر سلوكياته بحرية فيقف بها عند حريات وحقوق الآخرين .
ولنبدأ بالقراءة وتتبع آثار السابقين وقراءة التاريخ ففيه دراية كبيره بكيفية التعامل مع الحاضر ، وكما قالوا من ليس له ماضي ليس له حاضر ، ومدارسة كذلك تجارب الدول الناجحة التي نهضت وسطرت أروع صور الملحمة في مؤلفات الحضارة والوقوف علي كيفية نهضة تلك الأمم والاستفادة من تجاربها واستيراد أفكار نجاحاتها والعمل علي بلورتها وتكييفها مع ظروف مجتمعنا .
وينبغي كذلك التركيز علي التعلم والتعليم فكل منا معلم وتلميذ ، يعلم ويتعلم ، فليكن كل إنسان في هذا الوطن ظهير لأخيه يتعلم ويجمع لينقل إلي غيره ويعلمهم ويزكيهم ؛ بهذا تُخلق قيم التكافل وتَخْفُت قيم الحقد والضغينة المرذولة .
ومن المهم جدا السعي في إعادة فكرة الصالونات الثقافية في المدن والأحياء وداخل صروح التعليم كالجامعات والمدارس ، فهذه الصالونات تزكي حرية التعبير والإبداع الثقافي والفكري وترسخ من قيم التعايش وقبول الآخر و التعددية والإيمان بالرأي والراي الآخر طالما أن لكل رأي حججه الموضوعية التي تدعمه وتزكي منه .
وكذلك التركيز علي إتقان العمل ، والتخلي عن اللامبالة والبيروقراطية وإعلاء قيم الشفافية والمشاركة والمساءلة ومحاربة الفساد ، وأن يستشعر كل منا أنه علي ثغر وأن تحت يده أمانة وهذه الأمانة ينبغي أن تستأدي إلي مستحقيها .
في يقيني أن الإنبعاث الجديد الذي سترتكز عليه نهضة هذا الوطن لن يكون إلا بالعبور عبر الإنسان . فلم أعد أؤمن بالفكر الثوري الذي يسعي إلي التغيير بقوة الثورة وصوت الجماهير التي غاليا ما تبني قناعاتها من منطلق الحماسة الفوارة التي سرعان ما تتبدل وتتغير وتراها نكصت علي أعقابها مرتضية عودة الأوضاع التي ثارت من أجلها مصدرة من كانوا ينظرون لها لخطر الإبقصاء والإبعاد في غياهب سجون تابعي النظم التي تمت عليها الثورة .
وعدم إيماني بفكرة التغيير بالثورة مستمد من النظر إلي ظروف المجتمع الحالية ومنظومة أخلاقه المهترئة التي من شأنها أن تجعل الفوضي حليف أي عمل ثوري نتيجة لكون الفوضي دائما ما تولد من رحم الأخلاق الفاسدة التي تؤثر المصالح الخاصة علي المصلحة العامة حتي لو كان الضحية هو الوطن ذاته ، فضلا عن أنه حتما لكل ثورة ثورة مضاده تسعي لإخمادها مستخدمة في ذلك قوة المال والسلاح بالنظر إلي أن الجماهير الثائرة ربما لم يكن لديها الوعي الكافي الذي تؤمن بمقتضاه بأهداف ثورتها مثلما حدث في الحالة المصرية .
لذلك فالرهان كل الرهان علي البناء والنهوض والتغيير عبر الإنسان الواعي . فالإنسان الواعي صاحب الفكر الثاقب والموضوعية المتجردة هو الصخرة التي تتحطم عند أعتابها أفكار الإستبداد . فبالإنسان الواعي المتبصر المستنير الموضوعي سيتحدد المصير وستترسخ منظومة النهضة التي تقوم علي قيم الديمقراطية السمحة التي تجعل من الحاكم مسئولا ومن المحكوم مسئولا والجميع مستأمن أمام هذا الوطن الذي يحتاج من الجميع الغيرة علي مقدراته ورفع رايته ليشق طريقه وينثر اشعاع حضارته ويضيء الطريق ليكون مثالا يحتذي بين الأمم .
 
التعليقات
press-day.png