رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

مجدي شندي يكتب : ردا على زينب البحراني.. مايعرف ويجب أن يقال

 

بكلمات ناعمة تشبه جلد أفعى نشرت الكاتبة والروائية السعودية زينب علي البحراني مقالا بعنوان "تيران وصنافير .. مايعرف ولا يقال" وهو من حيث التعبير عن رؤية ومشاعر السعوديين حكاما ومحكومين تجاه القضية ، واقعي وحقيقي ودال ، ومن حيث توصيف واقع حال المصريين سطحي ومبتذل ولا تنظر فيه الكاتبة إلا تحت أقدامها ، كما أن فيه تطاول كاذب يشبه تطاول قزم يقف على بناية أسمنتية في مواجهة عملاق يقف على الأرض ليقول له : أنا أطول منك. لذلك أدعو الرئيس السيسي وفريقه الرئاسي والحكومة بوزرائها ومستشاريها ، والأجهزة صانعة القرار بخبراتها وكوادرها ، والبرلمان بنوابه وتكتلاته ، وجوقة الإعلام بلواءاتها ومذيعيها .. بنجومها وحقرائها ، ومن يدعون وطنية لم تمنعهم من تأييد هبة الجزيرتين للسعودية إلى قراءة عميقة ومتأنية للمقال ، كي يدركوا جميعا أي عار ألحقوا بمصر التي أنبتتهم وصنعتهم على عينها ، وحين شبوا عن الطوق طعنوها في أعز ماتملك.

لم تناقش الكاتبة مصرية الجزيرتين ولم تماري فيها مراء ظاهرا أو باطنا (وهذا يحسب لها) وإنما قفزت مباشرة إلى صلب الموضوع ، وبدأت تنميط المصريين ، ويبدو أنها لم تتعامل أبدا إلا مع أناس من طبقات متدنية ضاق بها الحال لدرجة ضاع معها معنى الوطن، أو مخدوعة بالتدين الظاهري للمجتمع السعودي ، فالمصري الثائر لكرامة أرضه ، من وجهة نظرها ، سرعان ماينسى الأمر عندما يلمح "عقد عمل في السعودية" ، بل هو مستعد أن يأخذ مليارا ويتخلى عن جنسيته المصرية ويقيم في السعودية مقابل أن تأخذ السعودية مصر كلها وتسجلها باسمها!!. فالأكثرية الساحقة من المصريين تريد "أن تعيش" والسلام على حد قولها.

وتتساءل الكاتبة بشكل جارح "هل تستطيع مصر إرجاع كافة المساعدات المادية التي تلقتها من السعودية ؟ وهل تستطيع إرجاع المليارات التي تم دفعها مقابل تيران وصنافير ؟ وتجيب بـ"لا". وهل تستطيع الحكومة المصرية استعادة العمالة المصرية في السعودية (والتي جاءت في إطار اتفاقات سياسية وليس لحاجة السعوديين لها ) وتوفير حياة كريمة لها ؟ وتجيب بـ"لا".

نسيت الكاتبة "وحري بمثلها" أن ينسى التاريخ القريب ، فالحكمة تقول:"أطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت ، ولاتطلبوه من بطون جاعت ثم شبعت" ، ليس حريا بها أن تذكر أفضال مصر في إطعام أهل الحجاز الطعام على امتداد قرون طويلة ، وليس حريا بها أن تذكر ، كيف كانت زيارة مصر لأجدادها تمثل صدمة حضارية ، حيث المدنية والتقدم وذوو الفضل من الناس ، لم تقرأ مذكرات حمد الجاسر وجيله ، ولم تعد تريد أن تذكر أن من علم والدها وطببه وأنشأ له المشاريع وشق الطرق وأقام البنايات الشاهقة هم معلمون وأطباء ومهندسون مصريون.

ويبدو أن تدفق أموال النفط قد أنسى الكاتبة كل شيء ، غير النظر تحت أقدامها ، فهم أغنياء ونحن فقراء ، ونحن نعاني البطالة ولديهم الوظائف ، ونحن نبيع وهم يشترون ، أما التاريخ والحضارة فلا وزن لها ، والأموال تجعل البداوة سيدة التحضر ، والجهل سيدا للعلم ، والظلامية سيدة السماحة والتدين الوسطي.

في اول عمرة أوديها صدمني شاب سعودي على بعد أمتار من الحرم المكي بالقول: "تاخدوا الحرم وتدونا الهرم" (يقصد شارع الهرم بملاهيه الليلية ، وليس الهرم المعلم الحضاري) وذات مرة طلب ضيف سعودي سجادة صلاة ، فأبديت اندهاشا وأجبت قائلا: "للمرة الأولى أجد سعوديا يصلي خارج بلده" ، كان ذلك واقعا معاشا يمكن أن يعاينه أي راكب لطائرة قادمة من السعودية ، فالاحتشام والملاءات السوداء التي تبدأ بها الرحلة تتحول بقدرة قادر إلى ملابس مبتذلة في عريها قبل أن تحط الطائرة في القاهرة ، ومن لا يترك فرضا تحت السياط المشرعة لجماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، يتحول إلى سكير عربيد يهزأ بالصلاة وبالتدين وبالرسول في أول فرصة ينطلق فيها من عقاله. ومع أن هذه تصرفات شخصية إلا أنها نموذج لازدواجية مجتمع ، شعبا وحكومة ، فخدام الحرمين ليس لديهم مانع من خدمة مشاريع أخرى في المنطقة ، وما "صفقة تيران وصنافير" إلا مقدمة لصفقة أخرى ، الحكم وقيادة المنطقة مقابل تلفيق حل نهائي للصراع العربي الإسرائيلي يأخذ قطعات متجاورة من الأرض في إطار تبادلي ، على حساب أصحاب الأرض ، وليست الجزيرتان إلا بوابة لذلك.

كنت آمل – وما زلت – أن تتحلى الكاتبة بالشجاعة لتناقش قضية حصول دونالد ترامب في زيارة واحدة على نحو 460 مليار دولار من أموال الشعب السعودي ، لكن الغيرة الوطنية تدفعها لمناقشة 20 مليار دولار حصلت عليها مصر في أزمتها الاقتصادية ولا نعرف أين ذهبت ، وهذا المبلغ كان يمكن أن يمثل فوارق أجور في عام واحد لو طالبت مصر بمرتبات عادلة وحقوق كاملة لأبنائها العاملين في السعودية ومساواتهم مع البريطانيين أو الأمريكيين أو حتى السوريين واللبنانيين العاملين هناك.

لا ألوم الكاتبة ، فمن حقها أن ترى بلدها بالمنظار الذي تريد ، وترى مصر كما يشاء لها هواها ، وليس ثقافتها واطلاعها ، فلو تثقفت واطلعت ، لعرفت أن الرغد الذي تتنعم فيه مخلوط بدماء الجنود المصريين الذين عبروا في 1973 ، فلدمائهم وحدها الفضل في رفع أسعار النفط من دولارين للبرميل إلى نحو 40 دولارا قبل مرور أقل من 5 سنوات على انتهاء المعركة ، ولكني ألوم كل من تعاقبوا على حكم مصر في العقود الأخيرة وجعلونا مضغة في أفواه من يستحق ومن لا يستحق ، وأقول : إن هذه الحكومة التي خانت عهدها وباعت أرضنا ، لم تعد تمثلني ولا تمثل أي وطني غيور.

التعليقات
press-day.png