رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

المهندس. يحيى حسين عبد الهادي يكتب: المستشار الجليل والخَطْبُ الجَلَل

مِن الابتلاءاتِ الكبرى أن يكون غضبُ صاحب القرار غضباً لِذاتِه (غير الإلهية) .. لا غضباً لله والوطن والحق .. لكن الكارثة الأكبر والخَطْبَ الجَلَلَ أن يكون هذا الغضبُ مكشوفاً بلا تَحَّشُم .. الأطفالُ فقط هم الذين يغضبون بلا تحشم ولا تحفظ .. أما رجلُ الدولة فيسمو على ذلك ولو تمثيلاً.. كلٌ منَّا يذكر عشرات المواقف التى يكون فيها رئيس المؤسسة مُستاءً من أحد العاملين لأسبابٍ شخصية.. ورغم أنه يملك أن يُنَّكِلَ به بلا مراجعة (فمعظم مؤسساتنا هى مؤسسات الرجل الواحد الذى بِيَدِه سيفُ المُعِّز وذهبُه) إلا أنه يتحاشى أن يفعل ذلك دون غطاءٍ أو (تلكيكٍ) مناسب .. لكى لا يُتَّهَم بأن قراره ناتجٌ عن غضبٍ شخصى .

 أقول ذلك بمناسبة ما حدث مع المستشار الجليل يحيى الدكرورى من تجاوزٍ مفضوح لكل الأعراف والأصول المرعية والمستقرة.. وقد استقر فى يقين رجل الشارع أن حق الرجل قد انتُزِع منه بسبب حُكم مصرية تيران وصنافير، وهذه مصيبةٌ.. لكن المصيبة الأكبر ألاَّ يُكَّلِف متخذُ القرار نفسه عناء نَفى تهمة الشخصنة عن قراره.. بل بدا وكأنه يريد تأكيدها وتأكيد أنه لا وزنَ عنده لرأىٍ عام وكأنه لا يُسأَلُ عمَّا يفعل (وهى صفةٌ اختص بها اللهُ نفسه).

المستشار يحيى الدكرورى قاضٍ جليلٌ فعلاً.. ليس لأنه رئيس الدائرة التى أصدرت الحكم التاريخى بمصرية أرضنا المُغتَصَبَة‘ فهى مصريةٌ حتى ولو لم يحكم القضاء بذلك .. وقد صار معلوماً فى العالم كله (إلا إعلام الرئيس) أن الأمرَ لا يتعلق بملكية قبائل عَبْس وذُبيان وخزاعة كما زَعَمَت حكومتنا، وإنما بكونها حجر الأساس فى صفقة العار المُسَّمَاة صفقة القرن، التى أبرمها من لا يملك مع من لا يستحق.. فالدكرورى قاضٍ جليلٌ فعلاً من قبل أن يصدر هذا الحكم الذى ختم به تاريخاً من الأحكام المُنَّزَهة عن الهوى التى لا يحكم فيها القاضى إلا بما يتجمع أمامه من أدلة ولو جاءت على عكس ما رأت عيناه.. وإن كان الحكم الأخير قد كشف فى الرجل جلالاً فوق الجلال من جانبين.. جانب أنه أصدره وهو يعلم أنه على غير هوى السلطان وهو قاب قوسين أو أدنى من نَيْلِ حقه فى المنصب الرفيع فى نهاية عمره الوظيفى.. والطبيعة البشرية تدعو للتأجيل أو التسويف لكى لا يُغامر بفقد منصبه المُستَحَّق.. لكن ضمير القاضى فيه تَغَّلَب على غريزة المصلحة.. الجانب الآخر هو حيثيات الحكم التى صاغها وزملاؤه فى سبعين صفحة تزدان بها المكتبة القانونية لأحكام مجلس الدولة لتوضع إلى جانب مجلدات الفخر التى بدأت بأحكام عبد الرزاق السنهورى ولم تنتهِ بأحكام طارق البشرى وحمدى ياسين عكاشة وغيرها من الأحكام التى يتتلمذ عليها القانونيون العرب.

هو قاضٍ جليلٌ فعلاً وما كان المنصبُ الرفيع ليضيف شيئاً إلى جلاله.. ولكن الغُصَّةَ فى قلوبنا نحن ونحن نرى الحقَ يُنزعُ من قاضٍ أمضى حياته يسوق الحقوقَ إلى أصحابها.

لستُ ممن يترحمون على أيام مبارك.. ليس فقط لأن النظام الحالى امتدادٌ (بنفس الأشخاص أحياناً) لنظام مبارك.. ولكن لأنه لا يليق بنا أن يتقزم طموحنا لوطنٍ بحجم مصر إلى حد المفاضلة بين سئٍ وأسوأ.. ولكننى أسرد الموقف التالى للتدليل على أن نظام مبارك الحالى (التقليد أو التايوانى) قد اقترب فى انحداره إلى قاعٍ لم يسبقه إليه نظام مبارك (الأصلى).

 قبل سنواتٍ حدث موقفٌ مشابهٌ للمستشار الجليل طارق البشرى وهو فوق أنه أحد القامات التاريخية لمجلس الدولة فهو مفكرٌ من الوزن الثقيل تتلمذت على مؤلفاته أجيالٌ من القوى الوطنية من كافة التيارات.. وهو ما لم يُسبب مشكلةً مع مبارك، الذى لم يكن يقرأ إلا لسمير رجب.. لكن المشكلة بدأت بعد أن أصدر الرجلُ عدداً من الأحكام والفتاوى القانونية لم تأتِ على هوى الفرعون.. كان أشهرها إلغاء قرار رئيس الجمهورية بإحالة إحدى القضايا إلى القضاء العسكرى، وكانت حجته فى ذلك أن القانون أجاز إحالة نوع معين من القضايا للقضاء العسكرى فى حالة الطوارئ. ولكن قرار رئيس الجمهورية المطعون فيه أحال قضيةً بذاتها إلى قاضٍ ومحكمةٍ بذاتها، وهو ما يُخل بالعدالة ويجعل القرار مشوباً بالبطلان .. ولم يكن آخرها ما رواه الدكتور مصطفى الفقى من أنه نقل إلى البشرى (وكان مستشاراً لرئيس جامعة القاهرة) رغبة وتزكية الرئيس لتحويل ابن الطبيب المعالج لأسنانه من كليةٍ إلى كليةٍ أخرى، فما كان من البشرى إلا أن طلب من الفقى أن يُبلِغ مبارك رفضه لذلك لأن الطلب غير قانونى .. فأَسَّرَها فرعون فى نفسه إلى أن جاءت لحظة الانتقام عام ١٩٩٢ حين خلا منصب رئيس مجلس الدولة، وطبقا للأعراف المتبعة وما أجمعت عليه كافة الجمعيات العمومية فإن الذى يشغله هو أقدم المستشارين وهو المستشار طارق البشرى الذى لم يكن يسبقه فى الأقدمية إلا المستشار على الخادم المعار إلى سلطنة عمان والعازف عن ترك إعارته والعودة لمصر.

لم يجرؤ الفرعون وقتها على أن يعبث بالأعراف القضائية أو يدهس قرار الجمعية العمومية أو يستصدر قانوناً معيباً يطلق يد السلطة التنفيذية فى شؤون واستقلالية السلطة القضائية.. وإنما بعث برسالة إلى السلطان قابوس يطلب فيها إنهاء خدمة المستشار الخادم من ناحيته فأُعيد الرجل، وحُرِم طارق البشرى من تولى رئاسة مجلس الدولة.

هذا ما حدث فى ظل النظام المباركى الأصلى.. أما فى ظل النظام المباركى التايوانى، حيث الغضبُ طفولىٌ بلا كوابح .. والشخصنةُ على المكشوف.. والقرار غير متحشم.. والمسؤول غير مسؤول.. وليس حوله مَن يُشيرُ أو يُستشار .. فإن السلطان لم يحاول أن يدارى غضبَه من حكمٍ قضائىٍ مِن المفترض ألا يُغضِب أحداً غير نتينياهو .. فضرب به وبالدستور عرض الحائط جهاراً نهاراً .. ثم استصدر من برلمانه قانوناً يطلق يده فى تعيين رؤساء الهيئات القضائية .. ويطعن مبدأ استقلال القضاء والفصل بين السلطات .. وانتهى بصدور القرار الذى استبعد بعضٌ ممن يحسنون الظن بالديكتاتور أن يصدر، لأن الشخصنة (من وجهة نظرهم) ستكون فى هذه الحالة مكشوفةً جداً بما لا يليق برجل دولة ولا شبه دولة.

رغم ما فى القصة كلها من كآبةٍ وحزنٍ على ما آلت إليه الأمور فى مصر، إلا أن السيد الرئيس أَبَى إلا أن يُشيعَ جوَّاً من الفكاهة فى نهايتها، فقد ذكرت الصحف الحكومية (بعد أن أَدَّى بديل المستشار الدكرورى اليمين، أعرب الرئيس عن احترامه وتقديره لمجلس الدولة باعتباره أحد أعمدة القضاء المصري وصرحاً للعدالة.. وأكد حرصه على ترسيخ دولة القانون القائمة على العدل والمساواة ومبدأ الفصل بين السلطات الذي أقره الدستور، مشيرًا على ضرورة استمرار مجلس الدولة في العمل المتواصل لتمكين المصريين من حقوقهم وضمان حرياتهم) .. رَحِمَ اللهُ أبا الطيب.

yehiahussin@yahoo.com

التعليقات
press-day.png