رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

د. محمد محفوظ يكتب : المـــوكــــب .. قصة قد تبدو قصيرة

اشتدت الحرارة في هذا الوقت من النهار بشهر يوليو ، وزاد من لهيبها صفوف السيارات التي سدت الأفق متكدسة أمام إشارة المرور الحمراء .
كانت قد مرت ساعة ، منذ أخطروه على جهاز اللاسلكي باستعداد الموكب للتحرك .
لم يجرؤ طوال تلك الساعة على أن يواجه السيارات بعينيه ، أعطى لها ظهره ، بينما كانت تصل لمسامعه أصوات الكلاكسات الغاضبة ، وعبارات التبرم والبرطمة واللعنات .
الساعة التي مرت أدت إلى شلل حركة المرور بوسط البلد ، وكلما استفسر عن الموكب أخطروه بأنه في وضع الاستعداد .
كان العرق يتـقطر من أعلى رأسه - المسجون داخل الكاب الأبيض - ليسيل على جبهته حتى يصل إلى حاجبيه ، ثم يتسلل إلى عينيه فيكويهما بملوحته .
وفجأة .. ترددت على اللاسلكي إشارة تحرُّك الموكب ، فأشار بسرعة - وفقاً لقواعد التأمين - للعسكري المسئول عن الإشارة الضوئية لمغادرة كشك المرور .
ارتبك العسكري الذي كان قد بدأ يغلبه النعاس ، وقفز من مكانه ليسرع في المغادرة ، فاصطدمت يده بمفتاح الإشارة الخضراء .
انطفأت دائرة الضوء الحمراء وأضاءت الخضراء ، فانطلقت ثلاث سيارات بالصف الأول كأنها محمولة على موجة هادرة ألقاها البحر على الشاطئ ، ثم بدأت صفوف السيارات المتتابعة تنساب على ظهر موجات متتالية .
لم يسـتدر ، سمع أصوات المحركات وشاهد مؤخرات السيارات عندما تجاوزته .
لم يسـتدر ، وإنما قفز في خطوة واحدة ورفع ذراعيه ، ليغلق الطريق أمام الموكب .
فرملت على بُعد خطوتين منه سيارة الحراسة السوداء رباعية الدفع ، يتلوها السيارة المرسيدس السوداء الفارهة.
شب الحراس برؤوسهم من داخل سيارة الحراسة ، يصيحون فيه بأن يفتح الطريق للموكب .
لم يلتفت إليهم ، وكانت يده - دون أن يستدير - تشير لأمواج السيارات بأن تستمر .
لمح بطرف عينه الزجاج الأسود اللامع بالسيارة المرسيدس ينفتح ، وتخرج منه يد تشير إليه .
تقدم حتى أصبح على مسافة خطوتين من النافذة المفتوحة ، فانطلق من داخل السيارة صوت : أنت بتعمل إيه !!!!
توقف في مكانه ولم يتابع التقدم ، وأجاب : الإشارة خضرا للشعب .
فعاجله الصوت : اقفل الطريق .
فأجابه : الشعب ما يقفش عشان الرئيس ، لكن الرئيس يقف عشان الشعب .
واستدار ، واتجه ناحية أمواج السيارات ليواجهها بعينيه ، ويشير لها للتقدم بكلتا يديه.
*****
تعقيب :
قمت بنشر قصة الموكب لأول مرة بشهر إبريل ٢٠٠٩ . وكانت بمثابة الدفقة القصصية الأولى التي انبثقت منها باقي قصص مجموعة: ديكتاتورية الشعر الأسود ؛ التي انتهيت من كتابة كل قصصها في شهر نوفمبر ٢٠٠٩ .
كنت قد داومت على نشر القصص فور كتابتها على صفحتي بالفيس بوك . ولكن في أكتوبر ٢٠١٠ قمت بتوقيع عقد نشر المجموعة مع دار شمس للنشر . إلا أن قيام ثورة ٢٥ يناير أدى إلى تعطيل إجراءات طبع المجموعة إلى أن صدرت في فبراير ٢٠١١ .
كنت أعتقد أن قصص المجموعة أصبحت تشير إلى مرحلة ونظام وسياسات تجاوزتهم مصر . ولكن يبدو أن العهد الذي كتبه البعض على مصر من عصر إلى عصر ، هو .. أن تتواصل أحزانها .
*****
 
التعليقات
press-day.png