رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

المهندس. يحيى حسين عبد الهادي يكتب : عائدٌ إلى مصر

 

الحمد لله الذى جعل رزقنا بِيَدِه لا بِيَدِ أحدٍ من خَلْقِه .. لأن فى الأمر بعض الخصوصية، أرجو ألا تعتبروا هذا الحديث مقالاً بقدر ما هو دردشةٌ شخصيةٌ مع أصدقاء .. دأَبَت اللجانُ الإلكترونية في الشهور الأخيرة على التهديد بإعادتى إلى مصر .. فَلأنهم مَرضَى يظنون أن العودة إلى مصر عقوبةٌ لنا (!) ..

ها أنا أستعد للعودة إلى الوطن الذى قد نغادره ولكنه لا يغادرنا .. نعود إليه فرِحين متهللين على عكس ما يظن هؤلاء المرضى .. المشكلة عندهم لا عندنا .. إذ بماذا سيهددوننا بعد الآن؟ .. والحقيقة أننى لا أَغضب من اللجان الإلكترونية بقدر ما أُشفِقُ عليهم .. فهم بمثابة أبنائنا الذين يعانون من البطالة ويضطرون للعمل في هذه اللجان مدفوعة الثمن من أموالنا .. ولعل في مقالاتنا باب رزقٍ لأعضاء هذه اللجان .. ولكننى حزينٌ على التدهور في مستوى من يحركونهم ويدربونهم .. في أيام مبارك (الأصلى) كان كذب هذه اللجان مُرَّتَباً لدرجة أننى كُنتُ أُوشِك أن أُصَّدقه لولا أنه يخصنى .. أما في العصر المباركى (التايوانى) فلا أحد منهم يكلف نفسه عناء قراءة المقال الذى يهاجمه أو دراسة شخصية كاتبه .. ففضلاً عن الاتهام الروتينى بالانتماء للإخوان لأى مُنتقِدٍ لبعض تصرفات الرئيس، فإن بعضهم دائمُ التلويح بأننى هاربٌ في قطر أو تركيا ومُمَّوَلٌ وأقبض بالدولار (مع أننى أقبض بالدينار).

لم يقتصر الأمرُ على هراء اللجان، وإنما اشتمل أحياناً على عتابٍ مُبَّطَنٍ من بعض الأحباب لمغادرتى مصر في هذه الظروف سعياً للرزق.. وعتابٍ جارحٍ أحياناً لهروبى من مشقة العمل التنفيذي في مصر مُفَّضِلاً مال النفط على أداء الواجب.. ورغم أن السعي للرزق ليس عيباً، إلا أن هذا لم يحدث .. إذ أن الرزقَ جاءنى دون سعى .. كما أننى لم أهرب من أي تكليف، لأننى ببساطةٍ لم أُكَّلَف بأى عمل (وبالطبع لم أطلب أي منصب) .. ولعلها فرصةٌ لتوضيح ما جرى.

بعد أن اعتذر صاحبنا عن طلب تمديد خدمته بعد الستين رئيساً لمركز إعداد القادة، حياءً من الله ومن نفسه أن يناقض شعار (لا للتمديد) الذى ظَلَّ يرفعه مع زملائه في كفاية في وجه مبارك .. امتلأ الإعلام بترشيحاتٍ ممن يحسنون الظن بكفاءة صاحبنا للاستفادة به وزيراً أو محافظاً أو حتى أى منصبٍ تطوعى أو شرفى مِن تلك التي لا تتقيد بسن .. دون أن يَدروا أن معايير المرحلة لا تنطبق عليه.

بعد شهورٍ فوجئ صاحبنا بعرضٍ كريمٍ للعمل مستشاراً بمجلس الوزراء الكويتى في أحد الأنشطة التي كان يتولاها في مركز القادة .. وبينما يُنهى إجراءاته في السفارة الكويتية بالقاهرة، بكى أحد العاملين المصريين بالسفارة مُعاتباً: (ألَيْست مصرُ أَوْلَى بك؟) .. احتضنتُه وقلتُ له: (يا أخى أنا خادمٌ لمصر .. وهى التي أعطت لاسمى ثمناً .. لكن ما الذى تستفيده مصر من جلوسى في بيتى بلا عملٍ وأنا رب أسرةٍ علىَّ التزامات .. أنا أتركها أقربَ إلى المطرودِ مِنِّى إلى المُهاجر).

أمضيتُ في الكويت نحو عامين ونصف، أَكرَم فيها الجميع وفادتى .. ولعل الله أراد أن يعوضنى بالدينار عن حقوقٍ انتُزِعتْ مِنِّى بالجنيه .. وفى حين أننى لم أنقطع عن أحوال مصر ومشاكلها وزيارتها، فإن هذه التجربة أتاحت لى فرصة معايشة أحد الثروات المصرية المُهمَلَة .. المصريين في الخارج .. الذين لا يقل عشقهم لمصر عن مصريى الداخل .. والذين لم تهتم حكوماتنا المتعاقبة إلا بجيوبهم رغم أن ما يستطيعون تقديمه أكثر كثيراً من ذلك .. وهذا موضوعٌ آخر.. وتتميز الجالية المصرية في الكويت بأنها الأكثر استقراراً بين بقية الجاليات المصرية فى الدول العربية .. فكثيرٌ من العائلات المصرية فى هذا البلد الطيب ممتدةٌ لأربعة أجيالٍ متعاقبة .. جاء الجد للكويت قبل استقلالها وأنجب أبناءَه بها .. وبِدَوْرِهم تلقوا تعليمهم بالكويت وتزوجوا وعملوا بها .. وهكذا .. وتُمَثِّلُ الكويتُ لهؤلاء شيئاً أكبر من ختم الإقامة على جواز السفر .. شيئاً به نكهة الوطن .. فالوطن ليس مجرد سطرٍ فى جواز سفرٍ بقدر ما هو ذكريات طفولة وصبا وأصدقاء دراسةٍ وجِوارٍ وعمل .. وفى المُقابلِ فإن الشعب الكويتى فى مُجمله مصرى الهوى .. وهناك أُلفةٌ مُتبادَلَة .. المصريون يألفون الكويتيين والكويتيون يألفون المصريين (باستثناءاتٍ تؤكد القاعدة بالطبع) .. هذا على مستوى الشعبين، أما الدولتان فهما نموذجٌ استثنائى للعلاقات العربية العربية .. فرغم تَغَيُّرِ الحُكَّام على مدى أكثر من نصف قرنٍ، ظلّ الثابتُ الوحيدُ هو العلاقة المتميزة بلا شائبةٍ واحدةٍ …... بالأحضان.

yehiahussin@yahoo.com

 

التعليقات
press-day.png