رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

رائد سلامة يكتب: أربع خواطر شخصية

 

·         عن جدوي الكتابة و معركة الفكر

كانت فترة غياب طويلة.. يحتاج المرء بين الحين و الآخر إلي التوقف قليلاً أو كثيراً -حسبما تيسر- لإعادة النظر فيما يتخذ من مواقف في ضوء مستجدات تفرض نتائج خارجة عن الإرادة - وربما عن الإحتمال لدي البعض- بما يحفز ضرورات توافر هدوء نسبي للتحليل ولإتخاذ القرار. كان الهاجس/السؤال الأكبر الذي طرح نفسه هو: "هل هناك جدوي من الكتابة". ما لبث هذا الهاجس/السؤال إلا وقد تطور بطرح أسئلة أخري هي أقرب إلي الإجابات.."هل نكتب لإبراء الذمة التاريخية"، "هل نكتب لإحداث تغيير ما"، "هل نكتب لأنفسنا"، "هل هناك من يقرأ، وإن قرأ فهل يفكر موضوعياً، وإن فعلها فهل يكون للتغيير نصيب من نتائج تفكيره".

يتحدد شيئاً فشيئاً سبيل الوصول.. إنتهيت إلي ضرورة المعاودة، فهذه هي قصة الإنسان مع الحياة و تطور التاريخ.. أحداث تستدعي تفاعلات وتفاعلات تستوجب فكراً وفكرٌ يفضي إلي تراكم يصنع تقدماً في عالَم يتحرك للأمام كل لحظة.. إنها معركة الإنسان والفكر التي لا مَهرب منها إلا إليها.

·         عن السياسة والإقتصاد والمجتمع

كنت دائما و مازلت أري أن من يفصل بين علوم السياسة والإقتصاد والإجتماع هو صاحب غرض، فالعلاقة وثيقة وإن تميزت فتمايزت "أبجديات" كل علم منها عن العِلمَين الآخرَين.. كنت دائماً ومازلت أري أن مثل هذا الفصل ليس سوي مدخل لمصادرة التفاعل الإنساني الذي يجعل من أصحاب تلك العلوم مجرد محايدون بلا ملامح فيحصرهم في قاعات الدرس البُرجية يطرحون نظريات مُنعزلة لا أثر لها ولا تأثير في الجموع الشعبية التي تهدف تلك النظريات بالأساس لخدمتها وتحقيق مصالحها. هل يجوز لأي رجل إقتصاد أو مالية أن يتعامل بشكل مجرد مع أرقام الموازنة العامة للدولة أو خطط تنمية الموارد -مثلاً- بمعزل عن الخطاب السياسي العام، وهل يمكن للخطاب السياسي العام أن يقدم إجابات قاطعة بشأن رؤاه لملكية وسائل الإنتاج وآليات تغيير علاقات الإنتاج وأنماطه، وهل يمكن لكل من الإقتصادي والسياسي أن يعملا في الفراغ بلا مجتمع يقدمان له رؤيتهما بشأن تأثير تخلف علاقات الإنتاج علي تخلف الفكر وتركيب الطبقات وكيفية تحركها. إنه الإرتباط الموضوعي الذي لا ينبغي علينا إلا التمسك به وإلا فهو الخروج الذي أصبح وشيكاً جداً من دائرة التاريخ.

·         عن إسلام مرعي

كنت دائماً ما أنتظر منه محادثتين هاتفيتين علي أقل التقدير كل عام، واحدة في رمضان يدعوني فيها للإفطار وهو يعلم أنني سأعتذر حيث لا أفطر في رمضان خارج المنزل لكنه أبداً لم ييأس، ومرة ثانية مُهنئاً بيوم ميلادي.. لم يكن لي نصيب هذا العام في أي من المحادثتين فالفتي الشرقاوي الأصيل يقبع خلف قضبان صدئة لا تليق بمثله. إنه إسلام مرعي الذي لا أملك إلا أن أفتقد سماع صوته وتفاؤل رؤيته.

·         لمصر لا لمعصوم مرزوق

أستعير ثانيةً عنوان كتاب للمرحوم محمد حسنين هيكل.. "لمصر لا لعبد الناصر".. كان الرجل بارعاً في "طريقة" الكتابة لا شك و كان مُبدعاً في إختيار عناوين كتبه ومقالاته لكنه لم يكن كذلك (أو هكذا أري) في إختيار كثير من مواقفه السياسية.

إلي جناب السفير/معصوم مرزوق.. وقعت في حيرة، فأنا أختلف في نقاط كثيرة مع ما طرح لكنه - وهو الصديق العزيز والأخ الأكبر الذي شرفني القدر بالعمل إلي جواره يوماً ما- قد صار واقفاً وحده علي المنصة هدفاً لإطلاق السهام من كل صوب وحدب لأنه قدم بعضاً من رؤي هي محض إجتهاد إنساني وهي -بالتالي- نسبيةُ الطابع حيث لا قَطع هناك ولا يقين.

شعرت بوخز تلك السهام كما لو كانت قد وجهت لصدري شخصياً رغم إختلافي مع كثير مما طرح. لم أجد نفسي في تلك المعركة البائسة إلا حزيناً علي مآل الحال في ظرف تاريخي كان يستدعي نقاشاً أكثر هدوءاً وإنفتاحاً وتقبلاً نضع في ضوئه أولوياتنا ونختار بموجبه معاركنا وأبطالها ومواقيتها وسُبُل خوضها.

 

التعليقات
press-day.png