رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

د. ربيع البرقي يكتب : مجزرة الفض.. الواقفون على حافة المذبحة

على بُعد أربعة أعوام من اليوم، وفي صباح ذلك الأربعاء من صيف أغسطس شديد الحرارة، قامت قوات الشرطة المصرية مدعومة بوحدات من الجيش بفض اعتصام مؤيدي الرئيس الأسبق الدكتور محمد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين في ميداني رابعة العدوية والنهضة بالعاصمة المصرية القاهرة بالقوة، في مذبحة راح ضحيتها ما يقرب من الألف شهيد من أنصار الجماعة - بحسب توثيق موقع ويكي ثورة المختص بتوثيق شهداء الثورة منذ يناير وحتى الآن - فيما أعتبر كأكبر مجزرة في التاريخ المصري الحديث منذ مذبحة القلعة التي قام بها محمد علي ضد المماليك في أول عهده في بدايات القرن التاسع عشر..
                              
في إبريل من العام نفسه، تأسست حركة تمرد وقامت بجمع توكيلات من عموم المصريين للمطالبة بانتخابات رئاسية مبكرة، مستغلين حالة  المستمر للكهرباء. اتسعت دائرة تمرد ووصلت لقطاعات عريضة من الشعب المصري، ساعدها في ذلك إعلام ينتظر الهفوة لجماعة الإخوان المسلمين، وشعب متحفز ناقم على تردّي الأوضاع المعيشية، وأجهزة استخبارات محلية وعربية تنتظر وقوع فريستها للانقضاض على ما تبقى من الثورة بعد أن تفرق شملها بين سلطان الإخوان ومعارضة التيارات الأخرى دون أي أمل في اجتماعهما مرة ثانية..
 
على الجانب الآخر، حاولت جماعة الإخوان المسلمين مواجهة تمرد بحلول بدت كلها حلولاً بائسة، كانت تنتقل من فشل إلى آخر، بداية من تجرد، تلك التي كانت تجمع توقيعات مؤيدة للرئيس المعزول كرد فعل مباشر على تمرد، وكذا محاولات الظهور بمظهر القوي اعتمادا على غزوات أبي إسماعيل ومؤيديه في حصار مقار الأحزاب المعارضة، وحصارهم لمدينة الإنتاج الإعلامي، ومحاولات تصوير بقائهم في الحكم أمداً طويلاً وأنه مازال في جعبة حاويهم ثماني سنوات أخرى لأبي إسماعيل بعد إنتهاء فترة الرئيس المعزول محمد مرسي، انتهاءاً بأحاديثم الدعائية على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي بأن قائد الجيش آنذاك الفريق عبدالفتاح السيسي هو إخواني متخفٍ وأن تحرك قواته عشية الثلاثين من يونيو كان لحماية الشرعية وليس الانقلاب عليها، لكن محاولاتهم هذه باءت كلها بالفشل وجلبت لهم مزيداً من العزلة عن بقية الشعب المصري بنبرتها الاستعلائية تلك، سار الإخوان وحدهم إلى معركة الختام في مواجهة طيف واسع من الشعب المصري من أقصى ثورييه إلى أقصى فلوله، وضرب الجميع موعداً يوم الثلاثين من يونيو..
 
في الثامن والعشرين من يونيو، نظمت جماعة الإخوان المسلمين تظاهرة حاشدة لتأييد الشرعية الدستورية والرئيس المنتخب، حسب رؤيتهم وواقع مصر حتى لحظتهم تلك، وانتهت تظاهراتهم بالاعتصام في ميدان رابعة العدوية بمدينة نصر شرقي العاصمة المصرية، القاهرة، تاركين ميدان التحرير في وسط العاصمة، ميدان الثورة الأساسي وكعبة الثوار من كل حدب وصوب، لمعارضيهم، كان اعتصامهم مهيباً متجانساً، طيفاً واحداً على قلب رجل واحد، عالمهم المثالي الذي طالما حلموا به، يمتلئ الميدان بلحية وحجاب، وأخوة في التنظيم يهتفون للشرعية ومجد الإسلام الذي لن يتوانوا في صنع سُلَّماً لمجده من جماجمهم، وخطباء مفوَّهون أعلى منصاتهم يحدثونهم عن جنات عرضها السموات والأرض وحور عين لمن ينصر هذا الدين ورئيسهم الشرعي الذي، بالطبع، يمثل دعمه نصرة هذا الدين، وأن مؤيدي الانقلاب خارج ميدانهم هذا هم من المسيحيين والعلمانيين وكل من لا يريد لشرع الله أن يسود ويحكم في الأرض. كانت خطبُهم تلك مادة خصبة لإعلام السلطة الجديدة لتركيز الضوء بشدة على خطابات قيادات الإخوان من اعتصامهم هذا وحالة العداء التي يكنونها لجميع من خرج ضدهم في الثلاثين من يونيو، وأن اعتصامهم هذا ماهو إلا بؤرة تنضح بالطائفية والتطرف، وبدلاً من أن يتجه الجميع نحو تهدئة الأمور والمضي نحو تنفيذ خارطة طريق ما بعد الثالث من يوليو، صاروا يتكلمون عن ضرورة فض الاعتصام ولو بالقوة، وهو ما لاقى هوىً لدى العسكر ومؤيديهم، لم تفلح أصوات العقلاء من الجانبين على ترويض هذا الجنون، وصار الإخوان على حافة المذبحة..
 
كانت جماعة الإخوام المسلمين دائماً ما تبرر غيابها عن مواجهات الثورة في أيامها الأولى مع عسكر طنطاوي بخوفها من الدخول في مواجهة مع العسكر سيخسرونها حتماً، وسيكونون أول من يُعَلّق لهم المشانق، وسيتخلى عنهم الجميع، كانت مذبحة رابعة والنهضة راسخة في اللاوعي الإخواني حتى قبل حدوثها، كان الجميع يعلم أن حِلف العسكر والإخوان كنقشٍ على الماء سرعان مايزول أثره ويعود العداء بينهما مرة أخرى، فكل منهما تنظيم هرمي شديد التعقيد يقوم على الطاعة والولاء، ولا يُكتَب أبداً لمثليهما العيش معاً دون أن يبتلع أحدهما الآخر، أعدَّ كل منهما أسلحته لخوض معركته تلك، أتقن العسكر التخطيط والاستعداد، وظن الإخوان أنهم قادرون وحدهم على خوض معركتهم تلك. في البداية خشي الإخوان من خوض المعركة المحتومة مع العسكر، والثورة على قلب رجل واحد في عامها الأول،  ثم استفردوا بالسلطة شكلا دون امتلاك أدواتها، عادوا الجميع، وانفض عنهم تيار الثورة الواسع فقرروا وقتها خوض معركتهم والثورة المضادة على قلب رجل واحد، فالشرطة التي كانت في القلب من ثورة يناير على تعبير الرئيس المعزول محمد مرسي، كانت على الأكتاف في الثلاثين من يونيو في التظاهرات المناهضة لحكمه وجماعته، وتفض اعتصام انصاره ومؤيديه بعدها بأقل من شهرين في مذبحة خلّفت قرابة الألف شهيد، والفلول الذين كانت تطاردهم لعنات الثورة ودماء شهدائها من قبل صاروا قيادات في جبهة الإنقاذ، ولم يتبقى على مشهد الختام سوى دبابة تنهي الصراع ويصمت الجميع للأبد..
 
خسر الإخوان معركتهم مع العسكر التي خاضوها وحدهم بدوافعهم الخاصة، لكنها في صورتها الكبرى كانت خسارة معركة من معارك ثورة يناير المجيدة لحساب العسكر، عدوها الرئيس، وجرح غائر في قلب الوطن لن يندمل أبدا، انتهت المعركة بمذبحة كان الدم فيها على أكُفِّ الجميع، ليبراليين وعسكر ويساريين ويمينيين،، تحريض على القتل هنا هناك، لم ينجُ منه إلا نفر قليل رفضوا القتل من يومه الأول منذ  زمن الثورة الأول، صار لمصر كلها ثأر لدى مصر كلها، عسكر يقتل المعتصمين ويعتقل من تبقى منهم، ونخب تبارك، وإرهاب يحصد أرواح جنود الجيش وضباطه في سيناء ولم يتوقف منذ ذلك اليوم المشؤوم، وأنفس تحمل كراهية وبغضا تجاه مجتمع غنّى على دماء أهليهم، ينتظرون لحظة الثأر بفارغ الصبر، في كل بيت شهيد أو معتقل أو مطارد، ولعنة دماء دارت رحاها على الجميع ولاتزال ترزح على قلب الوطن، لم تعد مصر كما كانت، ولن تعود..

 

التعليقات
press-day.png