رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

أكرم إسماعيل يكتب: بين د. رفعت ومواريث تونس.. عن إرث التواطؤ

 

ظاهرة النقاش السياسي علي فيسبوك ظاهرة جيدة وساعدت في كثير من مراحل ما قبل الثورة وأثناء الثورة، في توجيه الحراك والتفاعل بشأن الثورة، وخيارتها بعض النظر عن تقييمنا الآن لهذه الخيارات، ووعينا المتزايد بمثالب التفاعل علي فيس بوك.. لكن في كل الأحوال أصبحت شبكة التواصل الاجتماعي مساحة للسجال السياسي لا يمكن تجاهلها أو الاستخفاف بها.. كما أنها وكمساحة مفتوحه للنقاش والسجال، قد ساعدت جماعات سياسيه في بلورة رؤاها واكتشاف ذاتها؛ ورسم المعسكرات والحدود  السياسيه.. كما ساعدت في  رصد التحولات ودلالاتها.

 

 وفي هذا السياق تابعت واشتركت في هذا النقاش الذي دار بعد وفاة دكتور رفعت السعيد، وفي الحقيقة اثار انتباهي هذه العصبية التي صاحبت الحدث التي وصلت لحد تبادل الشتائم والاتهامات بين محبي د. رفعت، ومعارضيه.

بالطبع  لقد كنت على الاتفاق مع محبي الدكتور رفعت في رفضهم  لكل اشكال التشفي أو استخفاف لحظة الموت، إلا انني لما أفهم أيضا تجنب مؤيدي د. رفعت أي نقاش جاد حول مسيرة الراحل، خصوصا أن رفعت السعيد سياسي له مواقف، ولعب أدوار هامة، وتقييم مواقفه وأدواره هو استقبال جاد لخبر وفاته، إلا ان محبي د. رفعت  لم يستصيغوا أي موقف ناقد، وترواح موقفهم بين هذا الخطاب الأبوي ضد أي نقد حتى وان كان موضوعي ويتخذ مسافة من أي تشفي أو تجاوز في حق الراحل.. إلى ذهاب البعض في الرد علي الدعاية التي تناقش موقفه من السلطة أوتتهمه حتى بالخضوع للسلطوية وتطرح التساؤلات حول مسئوليته عن تصفية اليسار، وتفطيس حزب التجمع، ومعاداته موجات النضال الشعبيه وعلاقته بالأمن.. باتهام من يتبنون هذه الآراء بأنهم يتلقون تمويل من الخارج، وانهم سبب ايضا في تراجع اليسار وخراب تتظيماته أو معايرتهم بأنهم ينتمون لشلل وسط البلد او لتنظيمات صغيرة وبلا قيمة !!

 

وفي الحقيقه لم أستطع ان أمنع نفسي من أن أحسد، د. رفعت رحمه الله علي حصوله على هذه الحماية والدعم .. على الرغم  من الأدوار التي لعبها عبر عقود والتي كان من اهمها العمل علي "تفطيس" و تخريب أي فرصة لإحياء اليسار والاستخفاف بأي نضال أو مبادرة جاده... بل ومهادنة أي سلطة حتى سلطة الإخوان، فعلي عكس الشائع لقد أعطى د رفعت رسائل إيجابية للإخوان بعد أن مالت الكافه لهم بعد الثورة وتبني خطابا أكثر تصالحا.. ولما لا؟؟ ..فماذا تبقي لدكتور رفعت حتى يقاوم به الإخوان.. فبعد عشرات السنين من العمل علي تصفية التجمع وأي إمكانية نضالية داخله أو حوله وبعد فرض عزلة علي التجمع بعد المواقف المعادية التي اتخذها د. رفعت من حركة التغيير ومن تصاعد الاحتجاجات الشابة ومن الثورة نفسها، لم يعد لدى د. رفعت وحزبه أي شيء.. ولهذا  فقد بادر حينها بجس نبض الإخوان بينما كان جيكا ورفاقه يواجهون الإخوان علي الأرض بكل شجاعة، ويقاومون تأسيس دولتهم الطائفية قبل أن يطلق عليهم الأمن المعذور- كما كان يحلو للدكتور رفعت أن يقول – الرصاص.

رغم احترامي لكثير من المتحفظين علي نقد رفعت السعيد.. الا انه لا تفسير لدي لمحاولة التستر على د. رفعت بحجة حرمة الموت سوى تواطؤ راسخ مع ما كان يمثله رفعت السعيد.. فلازالت الرؤية السياسية التي عبر عنها بوضوح يتبناها قطاع معتبر من اليساريين المصريين، والتي يمكن اختصارها في موقف راسخ عند رفعت من عموم الناس ومن مخاطر التغيير الاجتماعي والسياسي، باعتبار أن هناك انجاز تاريخي حداثي يسمى الدولة المصرية يجب الحفاظ عليه من الاختطاف من قوى المجتمع الرجعيه. الأمر الذي يعني التعامي وتجاهل النضالات والامكانيات التقدمية في المجتمع نفسه، والتي برهنت علي وجودها في أتون الثورة والتي تحامت خلفها الدولة في أتون الصراع الخفي مع الإخوان قبل 30 يونيو.. والامر هنا يتجاوز القوى السياسية اليسارية.. فالمبادرات التي نشأت في مصر قبل الثورة واتسعت كثيرا بعدها للدفاع عن حقوق المواطنه والنساء، والحركات التي عملت علي إنتاج صحافة وفن مستقل وعشرات المبادرات المحلية الباحثة عن مساحات للوجود بديله.. خرجت وخاضت تجاربها بعيدا عن تاثير وتفاعل اليسار التقليدي، ولم لا فلقد اتخذ  اليسار التقليدي مواقف علي الأقل حذره أن لم تكن معادية من هذا الحراك ذو الملامح  التقدمية وكان د. رفعت الأكثر وضوحا في التعبير عن هذا الموقف .  

وفي الحقيقه عندما يتبني سياسيون يساريون موقف حذر من الحراك الشعبي ومن التفاعل مع الاطراف المتقدمه في المجتمع وفاعليها من الشابات والشباب  الباحث عن تغيير مصيره، والهروب من الحصار الأبوي والطبقي السلطوي المفروض عليه فهم عمليا يحكمون علي تيارهم بالإعدام.

فلا يمكن لتيار معارض أن ينتزع وجوده بدون التفاعل مع قوى التغيير واكتشاف رصيده في المجتمع والجدل معه.. وربما يحمل هذا مخاطرة ولكن المخاطرة هي فرصة الوجود الوحيده.. وتاريخ نضال الشعوب هو تاريخ من المخاطرة.. وهل هناك مخاطره أكبر من ثورة؟

ورغم معرفتي بأن التجمع كان محاط ببؤر حية التحمت مع النضال الاجتماعي والسياسي ، الا ان نظرية الأسقف المنخفضة ظلت هي بوصلة قلب التجمع، تربط وجوده بوجود النظام، وتعزله بالكامل عن موجات الحراك المستمرة وامكاناته، وكل القوى التي تري في هذا  النظام القائم  عدو لمشروع تحررها من الأغلال الاجتماعيه والابوية.. وجعلته هو وما يمثله تدريجيا مرتبط بهذا العالم الذي تعمل قوى التغيير الرجعيه منها والتقدمية علي تجاوزه.

 

وربما هذا الرسائل الإيجابية المتلاحقة للنظام السوري من رموز وتنظيمات محسوبة علي اليسار هو أكبر دليل علي هذه القناعة الراسخة المعادية للشعوب وحقها في التجربة.. فدعم بشار في جوهره هو دعم لكل سلطوية تنجرف تحت دعاوي قومية وحداثية مبتذله لتتحول الي ميليشيا في عداوة مع الشعب، بل عصابة  لا تعمل سوى علي تصفيته باعتباره مالك الأرض وأداة التاريخ وديناميكية اجتماعية  لتجاوز الأوضاع الظالمه والمتناقضة الذي يعيشها البشر.. فموقفك من داعش أو من العصابات الطائفية لا يمكن أن يكون دافعا لدعم السفاح،  وإن كان فأنت ظهير للسفاح ولاشيء أخر.

 

تصادف أن يرحل د. رفعت السعيد، بينما يدور سجال حاد حول مبادرة السبسي، رئيس تونس المنتخب، بخصوص تغيير قوانين الميراث، بحيث يتساوى الذكر والأنثى، وبخصوص حق المسلمة من الزواج بغير مسلم من أهل الكتاب.

وترواح رد فعل عدد لا بأس به من الرموز السياسية والفكرية المحسوبة علي اليسار بين التجاهل وبين الموقف الذي لا يمكن توصيفه سوى بتطهر استشراقي من التقدم ومطالبه.. فسريعا ما طالعنا البعض بأن هذه القوانين مفروضة من أعلى وأن تهليل التنويرين العرب لها ما هو إلا احتقار للمزاج الشعبي وقفز علي حالة المجتمع.. وتجاهل هذا الصوت بمنتهي الاريحية الانتفاضة الرجعيه ضد مبادرة تونس والذي قادها الأزهر وطيف واسع  من المحسوبين علي قوى تيار الإسلام السياسي المعارضة  للدولة  والموالي لها من برهامي لوجدي غنيم ، قبل أن توظف الدولة نفسها  الجرائد الحكومية وعلى رأسها الأهرام لعرض وجهة نظر الأزهر والهجوم علي تونس.. ولم يخل الأمر من بلاغات للنائب العام وتحريض علني في الاعلام علي تونس نظاما وشعبا.. انتفاضة لا يري أصحاب هذا الصوت ما يقلقهم منها، بل إنهم قد تجاهلوا في رؤيتهم تلك تاريخ من القهر للمرأه العربية والمصرية قبل ان يتجاهلوا الأوضاع الآنية البائسة، والتي ازدادت بؤسا ووضوحا بعد الصعود الكبير لقوى الإسلام السياسي في الأعوام الاخيره، كما تجاهلوا هذا النضال الطويل للمرأه العربية والتونسية عبر أعوام طويله لفرض مطالبها العادلة علي أجندة النقاش العام،  فبعض التمهل والبحث كانوا كافيين لكشف أن الامر يقف خلفة اعوام من الصراع والعمل والنضال،  لولاه لم يكن يمكن أن تطرح هذه المبادرة فهي بنت واقع انتجته نضالات طويلة لولاها ما تمكنت أي سلطة من طرحها فضلا عن أنها جاءت في أعقاب ثورة لا زالت نتائجها تتفاعل داخل الواقع التونسي.

كل هذا لم يكن شفيعا لدى هؤلاء لإنتزاع الفرصة والدفاع عن المساواة وضرورة رفع كل أشكال الغبن الواقع علي النساء العربيات، والدخول طرف في صراع ايديلوجي وسياسي حاد في المنطقة حول قضايا الاقليات والنساء في سياق سؤال أكبر حول مصير هذه المنطقة الغارقة في صراعات الهوية والصراع الطائفي .. بل بدا أن كل ما يعنيهم هو فضح ما سموه فوقية وسلطوية القرار دون توقف أو اعتبار للتطور التاريخي والنضالي الذي انتجه، وربما لم ينتبهوا هنا وهم يعلنون موقفهم هذا انهم يدعمون  التحالف السلطوي الرجعي الذي يحكم مصر في مواجهة النظام الأكثر ديمقراطية والمجتمع الأكثر انفتاحا في المنطقة والذي ينعم فيه المواطنين التونسيين دون غيرهم بالمنطقة بمجال مفتوح  للسجال السياسي والايدلوجي السلمي، مجال يجعل هذه الاقتراحات ممكنه ويجعل نضال النساء من أجل حقوقهم ممكنا ايضا، ويجعل من هذه القوانين انتصار يفتح الطريق لتعبئة القوى  التقدمية وخوض معارك جديده باسم الحرية والمساواة . ولكن  كل هذا لم يثير اهتمامهم.

فإذا كان رؤية رفعت ورفاقه تتبني دعم الدولة الحديثة في مواجهة المجتمع .. فإن رؤية هؤلاء أن أي انتزاع لأي مطلب تقدمي يخص حقوق المواطنه سيظل من اعلي بـ "الضرورة" وفي مواجهة مع المجتمع ولا يعول عليه.

وقد يبدوا أن رؤية د رفعت علي النقيض من رؤية هذا المزاج المتطهر.. لكن في الحقيقه ماذا كان موقف د. رفعت "فارس العلمانية"  من هذه القوانين، وهل كان سيتخذ موقف حاد من  الأزهر في هذه المعركة ؟؟ وماهو موقف حزب التجمع؟ وما هو موقف الرموز والتيارات الداعمة لبشار .. هل يجرؤن بدورهم علي الاحتفال بهذه القرارات الحداثية ودعمها أم انهم لا يجرؤن- في دفاعهم عن الحداثة - سوى علي دعم السفاح.. ففي الوطن العربي عداؤك للقوى الطائفية لا يجعل منك بالضرورة مدافع عن المواطنه والعلمانية.. لان هذا سيضعك ايضا في عداء مع بعض الأنظمة "العسكرية" الحاكمه التي تدعمها بينما هي غارقة في الرجعية بدورها

أرث ثقيل لا يخلو من التواطؤ والاستخفاف.. بين من يريدون الاختفاء خلف سلطوية تستعملهم وتحتقرهم، وبين من لا يتوقفون عن التطهر من العلمانية وقيم المواطنه باعتبارها قيم معادية لمزاج الجمهور.. فلا يجدون لنفسهم مكان سوى الدفاع في كل محطه عن الرجعيه وتسمية هذا دعاية للنضال التحرري؟؟، رؤيه في جوهرها متعالية وفوقية لهذا الجمهور تختزله في صور تقليدية معلبه وتراه جسم مصمت وليس جماعات وفئات وقوي متتوعه ولها مصالح وأفكار متناقضه وفي عملية حية من التبدل والتحول  الدائم.

وبين هذا وذاك من سيتقدم لخوض معارك اليسار، ولا يتردد في الدفاع عن قيم المساواة والتقدم والبحث في المجتمع عن رصيده بدون تذيل السلطوية أو القوى الرجعية، أو الاثنين معا.. وهل يمكن أن يحدث هذا بدون فتح المجال لنقد حقيقي وعميق لهذه الرؤى التي عزلت اليسار وحرمته من الوجود وخوض معارك المساواة والتقدم. 

 

التعليقات
press-day.png