رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب: التحالف غير المقدس ومنظمات العمل المدني

تتبدي لأي متأمل في حال مجتمعنا الذي إنكشف واضحاً بعد فبراير ٢٠١١ حقيقة "التحالف غير المقدس" الذي ضرب أوصال المجتمع المصري منذ مايو ١٩٧١ و لم يفلح أكتوبر ١٩٧٣ في تفكيكه بل ربما كان له أثر بدرجةٍ ما في ترسيخه. أربعة أنماط بدي كل منها كما لو كان نقيضاً متنافراً مع الآخر لكنها كانت جوهرياً في تحالفٍ صنعته وِحدةُ هدفٍ رسخه التحول السياسي الذي شهده المجتمع المصري والمنطقة بأسرها بموجب صعود قوي إقليمية مدفوعة بمال وفير دعمت تحالف تلك الأنماط من خلال تثبيت نظام حُكم عَمَلَ علي حفظ توازن هذا التحالف في إطار مظلة دولية لسيد الكون.. إنه التحالف غير المقدس بين "الإنغلاق" الديني  و"القمع" السياسي  و"الإنفلات" الإقتصادي و"الترهل" البيرقراطي.

كان نمط "الإنفلات الإقتصادي" يقتضي غطاءاً إدارياً دولاتياً يخدمه ويمرر فساده ليصبح جزءاً من التركيب القيمي للمجتمع وبشكل يرسخ النموذج الإستهلاكي الريعي الذي يعتمد علي التجارة بالسلع والعقارات والأسهم بالإضافة إلي أنشطة السياحة والبنوك حيث لا تنمية حقيقية تُنتج قيماً مضافة بالمجتمع وتضمن فرص عمل دائمة لأبنائه. وقد كان "الترهل البيروقراطي" هو الحليف الأول "للإنفلات الإقتصادي" الذي صار يبحث بجدية عن غطاء آخر ثقافي يسوغ ويبرر القبول بالأمر الواقع الذي فرضته علاقات التبعية المرتبطة بآليات عمل النموذج الاستهلاكي الريعي فلا يتحداها ولا يحرض بالتالي علي خوض معارك معها أو علي الأقل لا يتصادم مع فروضها الأساسية.

من ناحية أخري، وجد الإنفلات الإقتصادي غطائه الثقافي في "الإنغلاق الديني" الذي زلزل التماسك النسبي للمجتمع وقَسَمه فإستقطب أطرافه لمعارك وجه فيها كل طرف سهامه لباقي الأطراف في سياقات لا علاقة لها بأبجديات صراع تحركه مصالح طبقية، فتوقف نقده لممارسات البشر الظالمة وتجمدت محاولاته للتغيير تحت ضربات "القمع السياسي" لينتهي التحالف الرباعي غير المقدس بسحق حق الإنسان في الحرية والتعليم والعلاج والسكن والغذاء والأمن أي حقه في مجرد البقاء علي قيد الحياة.

 أتانا يناير ٢٠١١ كفرصة تاريخية لوضع أسس الخلاص من هذا التحالف الذي حكم مجتمعنا لعشرات السنين رسَخَ فيها وضعه وعَمَق فيها من أثره علي المجتمع الذي تحول تدريجياً إلي مجتمع ثيوقراطي أوتوقراطي بيروقراطي مُنفلت إقتصادياً بموجب توازن حسابات دقيقة للغاية كان "مبارك" بارعاً في إدارته بصورة تُبقي علي هذا التحالف لكنها لا تفضي إلي إنتصار حاسم لأحد أضلاعه علي باقي الأضلاع.

 مرت تحت الجسر مياهٌ عكرةٌ كثيرة تخللتها أموالٌ نفطية هائلة بغية إعادة تركيب هذا التحالف غير المقدس بصيغ مختلفة بعدما ظهر علي السطح - في إنكشاف تاريخي لن يتكرر- الحجم والوزن النسبي لتأثير كلٍ من أضلاعه في المجتمع حيث تخلخَل التوازن "المباركي" في غياب "تنظيمي" شبه كامل لقوي التغيير الحقيقية. كاد "الثيوقراطي" أن ينتصر حين وصل إلي سُدة الحكم لكن غرور حاملي لواءه وفشلهم في مواجهة معضلات العصر بتقديم حلول موضوعية وبدائل علمية تتناول رؤيته للحريات وآليات تغيير علاقات الإنتاج وأثر ذلك علي تطور الوعي المجتمعي، وهو بالتالي لم يشتبك مع "الترهل البيروقراطي" ولا مع "الإنفلات الإقتصادي" لكنه إشتبك - في صراع المنافسة علي البقاء- مع القمع السياسي الذي تطور فأسفر عن وجهه الحقيقي هو الآخر مُتَبَدياً في ديكتاتورية عسكرية لها طابعها الخاص جداً الذي لا يختلف بالمرة في رؤاه وممارساته مع نموذج "الإنفلات الإقتصادي" بل ربما كان بمثابة وجه عملته غير المدني، وبالتالي فقد فرضت دواعي المنافسة نوعاً آخراً من الصراع الناعم لم يُحسم بعد بسبب مرونة وإمكانات نموذج "الإنفلات الإقتصادي" علي المناورة في الوقت الذي كَمُن فيه "الترهل البيروقراطي" في الظل كعادته في المعارك التي يستشعر فيها خطراً جسيماً.

مازال "الأوتوقراطي" بحاجة أكثر إلحاحاً الآن إلي "الثيوقراطي" لإحكام السيطرة علي عقل وقلب المجتمع لكن من داخل الإطار فيما يشبه "تأميم" الخطاب الديني لا "تجديده"، فللتجديد أدوات لا يعرفها أصحاب تلك الدعوة (دعوة تجديد الخطاب الديني) و التي لو عرفوها حق المعرفة لأحجموا عنها و نبذوها، حيث يأتي علي رأس تلك الأدوات منظمات العمل المدني التي تساهم حيويتة طروحاتها في حلحلة جادة لجمود الفكر الجمعي. شهدت منظمات العمل المدني بالمجتمع المصري موجات صعود سريعة ثم موجات هبوط دراماتيكية منذ فبراير ٢٠١١ إنتهت بأن توارت أغلب تلك المنظمات إلي خلفية المشهد برسم عوامل ذاتية تعلقت بالضعف الهيكلي والمالي لتلك المنظمات من ناحية وبسبب عوامل موضوعية إتصلت بممارسات وتشريعات قامعة من ناحية أخري فكاد أن يتلاشي وجود ومن ثَم تأثيرها في الأوساط التي تعمل بها، و كان لتراجع دورها أثر ملموس في إعاقة التطور التاريخي الطبيعي للمجتمع المصري علي خلاف ما حدث بشقيقه التونسي فأهَلَهُ لممارسة تغيير نوعي حقيقي وجاد.

 

التعليقات
press-day.png