رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

المهندس. يحيى حسين عبد الهادي يكتب: عن الانتماء.. وتحية العَلَم

كفى ابتذالاً للقِيَم والرموز الوطنية والمُتاجرة بها فى ساحات المزايدة.. قد يكون حُسْن النية (وليس المزايدة) وراء قيام وزير التعليم العالى بافتتاح العام الجامعى برفع العلم وتحيته على أنغام الموسيقات العسكرية فى ساحة جامعة عين شمس.. لكن النتيجة جاءت عكس المطلوب.. وأثارت موجةً من السخرية (من السياق الذى تم فيه الفعل لا من العَلَم) بدلاً من الإجلال.. مما اضطر الوزير لأن يُبرر قائلاً (إن الهدف من تحية العَلَم هو خَلْق روح الانتماء للوطن).. وأرى أن هناك التباساً فى ترتيب عبارة الوزير.. فتحية العَلَم (وهى فرضٌ بلا شك) أحد مظاهر الانتماء، وليس العكس.. الانتماء هو الأصل وهو شئٌ يصعب تعريفه بعباراتٍ محددة وإنما هو شئٌ (بالروح يتحس) كما تقول الأغنية .. وتحضرنى هنا روايتان عن الانتماء تُوضحان ما أقصد.

الرواية الأولى سمعتها من المفكر الكبير د. أحمد كمال أبو المجد.. كان مبعوثاً للدراسات العليا فى فرنسا فى منتصف الخمسينات، وكان يخطب فى المركز الإسلامى بباريس كل جمعة مؤيداً ثوار الجزائر.. فوجئ ذات يومٍ باستدعائه إلى بلدية باريس حيث أخبره أحد مسؤوليها أنهم يتابعون بلاغته الخطابية ويريدونه خطيباً فى مسجدٍ آخر تابعٍ للبلدية شريطة ألا يؤيد (التمرد) وبمقابلٍ مُغرٍ لطالبٍ لا يكاد البدل الذى يتقاضاه يكفيه.. اعتذر عن عدم قبول العرض المُغرى.. بعد أيامٍ جاءه إنذار رسمى بضرورة مغادرة فرنسا خلال 48 ساعة دون إبداء الأسباب.. أُسقِط فى يد الطالب وذهب إلى السفارة المصرية لإبلاغهم بقطع البعثة كإجراء روتينى.. وبينما هو يوقع بعض الأوراق فى إحدى حجرات السفارة، فوجئ بالموظف يصطحبه ليقابل السفير شخصياً، حيث طلب منه أن يقص عليه السبب الحقيقى لطرده ولا داعى للكذب لأن الأمر قد قُضى.. قَصَّ عليه أبو المجد ما حدث ومضى إلى حال سبيله.. بعد يومين ذهب إلى بلدية باريس لإنهاء إجراءات المغادرة ففوجئ بسكرتير ثالث السفارة المصرية الدبلوماسى الشاب أشرف غربال فى انتظاره موفداً من السفير.. دخل معه إلى مسؤول البلدية وقال له باعتدادٍ (لقد تحققنا من أن هناك تعسفاً فى التعامل مع المبعوث المصرى.. ونخبركم أنه إذا تم طرده سيتم طرد عشرة من الخبراء الفرنسيين فى مصر.. وسيكمل بعثته على الجانب الآخر من المانش فى إنجلترا).

على باب البلدية، وأبو المجد لم يفق بعد من ذهوله، أبلغه الدبلوماسى الشاب أن السفارة المصرية فى لندن ستتولى إجراءات استكمال دراستك فى إنجلترا، وسَلَّمَه تذكرةَ القطار إلى بروكسل ثم السفينة إلى بريطانيا (لم يكن نفق المانش قد أُنشئ).. فانفجر كمال أبو المجد باكياً متأثراً وقال لست بحاجةٍ إلى تذاكر أو نقود.. يكفينى أننى أنتمى لهذا البلد العظيم.

والحقيقة أن هذا البلد العظيم فى نظر الطالب المصرى لم يكن قد أصبح عظيماً بالمقاييس الدولية.. لم يكن قد تَطَّهر من آخر جنود الاحتلال الإنجليزى بعد.. ولا استرد قناته.. ولا بنى مصانعه.. بل لم يكن جيشه يزيد على أربع كتائب مشاة.. ولكنه أشعر المبعوث الشاب بالانتماء إلى حضنٍ يحنو على أبنائه ويعتز بهم وويُثَّمِنُ الواحد منهم بعشرةٍ من الفرنسيين.. فتحقق الانتماءُ الذى يُفَّجِر الطاقات.

الرواية الثانية سمعتها من الأديب الكبير جمال الغيطانى.. وقد كان مراسلاً حربياً أثناء حرب الاستنزاف.. كان عويس (على ما أذكر) شاباً على مشارف العشرين من عمره يعيش فى السويس التى أتاها قبل سنواتٍ طفلاً فى السابعة مع بعض أقاربه الصعايدة بحثاً عن الرزق.. بعد النكسة بقى عويس فى السويس  مع قليلين ممن لم يتم تهجيرهم..  ظلّ فى السويس يعيش على قروشٍ قليلةٍ حصيلة شرائه لكميةٍ من الجرجير والليمون من المزارع المحيطة بالسويس ثم بيعها للجنود الذاهبين إلى وحداتهم.. كان قد انضم لعناصر المقاومة التى تعبر القناة من آنٍ لآخر تحت إشراف المخابرات المصرية.. فى أحد الأيام فاجأه قائده بأن يستعد لتنفيذ مهمة.. تململ عويس، إذ لم يكن قد باع حصة اليوم.. فقال له الكابتن غزالى بحسم (عليك أن تختار بين قروش الجرجير وبين الوطن).. دون ترددٍ اختار الوطن وذهب معهم واستُشهد.. عويس الذى لم يُعطه الوطن أهلاً ولا تعليماً ولا مالاً، ولكنه أعطاه الإحساس بالحضن الكبير والهدف النبيل، فاختار الوطن دون أن يشغل نفسه بالكلام الكبير عن تعريف الوطن والانتماء.

 قبل أن يزايد علينا أحد، يعرف القريبون أن كاتب هذه السطور اعتاد (ولا يزال) هو والكثير من أبناء جيله أن يقف إجلالاً للسلام الوطنى إذا سمِعَه فى أى مكانٍ.. حتى فى الشارع أو المواصلات.. ويعتز بأنه وزملاءه فى مركز إعداد القادة كان لهم شرف السَبْق عقب ثورة يناير ببدء كل الفعاليات الثقافية والسياسية المنعقدة بالمركز بالسلام الوطنى (وقد انتشر هذا التقليد فيما بعد).. وأشهد أن الحضور (وكان معظمهم من الشباب) كانوا يقفون باعتزازٍ يرددون النشيد الوطنى.. كانت الهامات فى السماء والثورة لم تزل طازجة والعالم ينحنى إعجاباً.. ورئيس إيطاليا يقول (لا جديد فى مصر فقد صنع المصريون التاريخ كالعادة) وأوباما يقول (يجب أن نربى أبناءنا ليصبحوا كشباب مصر) ورئيس النرويج يهتف (اليوم كلنا مصريون) ورئيس النمسا (شعب مصر أعظم شعوب الأرض ويستحق جائزة نوبل للسلام).

ما الذى جعل نفس الشباب المتدفق حماساً وراء النشيد الوطنى قبل ست سنواتٍ، هم أنفسهم الذين ملأوا وسائل التواصل سخريةً من قرار الوزير؟ .. الذى حدث أن الثورة التى افتخروا بها تحولت على يد أبواق النظام الحالى إلى نكسة ومؤامرةٍ كونية، وتحَّوَل أبطالها وشهداؤها إلى نكسجية وعملاء.. وتحول أوباما وزعماء العالم الذين أشادوا بالمصريين وثورتهم إلى خلايا إخوانية نائمة (!) .. وتم اختزال (تحيا مصر) من هتافٍ ونفيرٍ امتزجت به دماء الآلاف من المصريين  فى معارك وثورات الحرية والاستقلال طوال قرنٍ كاملٍ، إلى عنوانٍ لصندوقٍ للإتاوات.. وتم ابتذاله إلى هتافٍ يردده لصوص المال العام عندما يرد النظام اعتبارهم.. لكن قمة الابتذال أن يزايد برفع العَلَم فى العباسية مَن يُنَّكِسُه فى تيران.

yehiahussin@yahoo.com

 

التعليقات
press-day.png