رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

محمد مصطفى موسى يكتب: صحافة شرشر

 

ليس بوسعك أن تتعاطى مع ما نشرته الصحيفة المملوكة لزوجة الهارب حبيب العادلي، "السيدة شرشر"، تحت عنوان: "أسرار تُنشر لأول مرة عن حياة الرئيس السيسي" على محمل الجد، فالمادة بالمعايير المهنية، لا يمكن اعتبارها من أعمال الصحافة، وبالإضافة إلى أخطائها النحوية والإملائية، وركاكة صياغتها، وابتذال لغتها، يأتي محتواها نموذجًا مثاليًا وفظًا لتدني المستوى الفكري والمهني لجوقة التأييد والتهليل، ممن تسربوا إلى بلاط صاحبة الجلالة، فدنسوه، إلى حد يدفعنا إلى أن نتأسى على أيام ممتاز القط، صاحب مقال "طشة الملوخية" الشهير، قائلين: "ولا يوم من أيامه"!

في البداية ينقل المحرر عن مصدر "مجهول" ويرتبط بصلات قربى ما من رأس السلطة، قوله: إن حكيم الفلاسفة، كان عاتبه لظهوره في برنامج تلفزيوني متحدثًا عن "كرامات سيادته"، في مرحلة نشأته، وهو الأمر الذي لا يُستساغ بالنظر إلى طبيعة الرجل الشخصية، فهو لا يعرف العتاب سبيلًا إذا لم يرق له أمر، بل يجنح إلى "الفَرْم" مباشرةً، والدليل أن سجونه تزدحم بمراهقين لا ذنب لهم، إلا أنهم كتبوا تدوينات انتقدوه فيها، فلو كان ممن يقبلون الأخذ والرد، ويجنح إلى لين القول، لأبدى ذلك نحو أغرار أبرياء، ولكان سمح لطوابيرهم المكدسة في زنازينه بحق العلاج على الأقل.

على أن تلك الملاحظة، لا تعدو أن تكون ملاحظة هامشية بالتمعن في عبثية النص إجمالًا، فالواقع أن المحرر لم يقل شيئًا، أللهم إلا أن "سيدنا السيسي"، هو حكيم الفلاسفة وطبيب الحكماء، الذي يرى ما لا نرى، ويبصر ما لا نبصر، وهو المنذور المكلف من قبل السماء، بإنقاذ الأمة، حتى أن يوم ميلاده كان يومًا مشهود، فأبوه كان في متجره يصغي إلى القرآن الكريم، فإذا بصوت الراحل عبدالباسط عبدالصمد يجلجل: "هنا دعا زكريا ربه قال رب هبّ لي من لدنك ذرية طيبة، فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب، إن الله يبشرك بيحيى مصدقًا بكلمة من الله".. يا حلاوة يا حلاوة!

وقتها خرج السيسي إلى الدنيا ساجدًا، وتبسم لمن حوله.. والحمد لله أن الكاتب لم يقل إن نار المجوس انطفأت من فورها!

ويمضي الكاتب ناقلًا عن مصدره المجهول خزعبلات منها أن فخامة جنابه حفظ القرآن صبيًا، وهذه رواية لا نجد لها منطقية، فالرجل لا يحسن ترتيب جملة، وهو يكرر مفرداته بصورة تشف عن فقر لغوي مشهود، خلافًا لحقيقة أن حفظ الكتاب يضفي على منطق صاحبه بلاغة، وسرعة بديهة لغوية، وثراء في المفردات، وهي أسطورة تشبه ما كان هو شخصيًا قاله، من أنه قرأ شخصية مصر للراحل الكبير جمال حمدان، لأن من يقرأ هذا العمل الاستثنائي، لا يقول عن ملك السعودية زعيم العرب، فمصر شاء من شاء هي الزعيمة، وهي رمانة ميزان محيطها الإقليمي إفريقيا وآسيويًا وعربيًا، وأيضًا في جنوب المتوسط.

وبما أن الغيبيات تكتسب قوة لتصديقها في نفوس الجهلة والغوغاء، فلا بأس إذن في أن يقال إن الرجل رأى الرسول صلى الله عليه وسلم في "مناماته" حين كان طفلًا، علمًا بأن أحدًا لا يعرف لماذا يأتي الرسول في منام طفل؟.. وما الرسالة التي يمكن أن تستقى من هكذا رواية؟.. لعلنا في هذا الصدد نعود إلى مقولة الدكتور سعد الدين الهلالي إن الله بعث إلى مصر رسولين هما عبدالفتاح السيسي ووزير الداخلية الأسبق محمد إبراهيم.. إنها عمليات تصنيع الخرافة المتصلة منذ الثلاثين من يونيو.

ولا ينتهي العزف على وتر الغيبيات الواهن والمهترئ، فثمة شيخ ما، تنبأ أن يصير الطفل لما يشب مجدد شباب الأمة، ولعل وعسى أن يتحرر الأقصى على يديه، وهذه نبوءة نتلمس مدى صدقها في العلاقات التي تجاوزت السلام الدافئ بين إدارته وإدارة صهاينة الليكود في تل أبيب، وما يجري الترتيب له في إطار ما تسمى بصفقة القرن، التي لا نعرف عن تفاصيلها شيئًا.

وإمعانًا في تصنيع الخرافات، يروي المصدر المجهول تفاصيل لقاء حكيم عصره بأديبنا الراحل نجيب محفوظ، الذي توسم فيه لما كان ضابطا صغيرًا أن يكون "عاشور الناجي" الجديد، أي الفتوة العادل، رغم أن قرّاء محفوظ يعلمون جيدًا أن شخصية الفتوة لم تكن مثالا للعدل في رواياته، بقدر ما هي مثال للقوة الطاغية التي كثيرًا ما تتحول من العدالة إلى البطش والاستبداد، بفعل التأليه الشعبي، وقد ظل الرمز في أعمال أديبنا العظيم إسقاطًا يهاجم من خلاله الديكتاتورية نظامًا وأشخاصًا، ويدعو إلى "ثورة الحرافيش" في مواربة جنّبته غضبة السلطة، وجعلته يسجل كلمته عبر بوابة الإبداع بحرية.

خزعبلات وراء خزعبلات، وخرافات من رحم خرافات.. هذا ما جاء في النص المنشور في "صحيفة شرشر"، ويبقى العبث كل العبث، في تسويق تلك الخزعبلات على أنها "انفراد من العيار الثقيل"، فصحيفة تديرها "السيدة شرشر"، لا يمكن أن تطلع بانفراد، اللهم إلا إذا كان يحمل الإجابة على السؤال: أين المدان الهارب حبيب العادلي؟

 

التعليقات
press-day.png