رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

علاء أبو زيد يكتب: رأيت درنة ( قصة قصيرة )

علاء أبو زيد
علاء أبو زيد

رأيت درنة ليبيا

عشت فيها أربع سنوات فى طفولتى

كان أبي معارا هناك

وكان الأطباء الطليان يمرون على الفصول ليملؤوا عيوننا بقطرة سميكة القوام

وكانت مدرسة الألعاب الليبية ترتدى جونلة قصيرة،

وتمتلك وجها يشبه وجوه ممثلات السينما وشعرا طويلا فاحما نصفه يستريح فوق صدرها ونصفه الآخرشلال منهمر على ظهرها.

يجلس جوارى فى تختة واحدة إبراهيم الليبي صاحب الكلمة الأولى والأخيرة فى الفصل ويجلس وراءنا سليمان منتظرا أي إشارة من إبراهيم ليقوم بتنفيذها فى الحال

حدث ما لم أكن أرغب فيه

اشتبكت مع إبراهيم فى شجار بسبب إصرار كل واحد منا على أن مدرسة الألعاب تحبه أكثر من الآخر.

تبادلنا اللكمات أثناء الفسحة فى حوش المدرسة.

انتهت جولة اللكمات دون نصر أو هزيمة

توعدني إبراهيم خارج المدرسة

وتوعدني سليمان خارج المدرسة

انتهى اليوم الدراسي، حملنا حقائبنا على أكتافنا

نحن الآن خارج المدرسة

ابراهيم غاضبا فى مواجهتي وبدأ يقترب

سليمان غاضبا يلتف ليصبح ورائي وبدأ يقترب

 

فى اللحظة التى شل فيها سليمان يدي من الخلف وكان إبراهيم يكور يده ليقذفها فى وجهى تلاقت عيناى مع عينى مدرسة الألعاب العابرة جوارنا والتى استمرت فى طريقها غير عابئة.

ابراهيم يوجه لكماته بهيستريا.

سليمان يصرخ ..لا ترحم المصري الفوالة.

سبق وأن سألت أبي :

- لماذا يسبنا الليبيون بالفوالة ؟

يقهقه ابى:

- هم يسخرون من عشقنا للفول وجبة المصريين المفضلة فلا تهتم ولكن إن وجدت من يتمادى فقل له يا عصيدة.

كانت العصيدة وجبة الليبيين المفضلة يأكلونها فى الصباح والظهيرة والمساء.

ها أنا أنهار وفيما أوشك على السقوط على ركبتي إذ بمدرسة الألعاب تتوقف فجأة وتستدير ناحيتي وتقترب

هى الآن تقبض على رقبة ابراهيم من الخلف وتطوح بقدمها بكل ما تملك على مؤخرة سليمان.

يقفز سليمان مذعورا باتجاه أشجار كثيفة تحيط بسور المدرسة ويتلاشى.

يبكى إبراهيم مخفيا وجهه بيديه من صفعات مدرسة الألعاب المتلاحقة ثم يقفز باتجاه سليمان ويذوب.

تأخذنى مدرسة الألعاب الى أريكة صغيرة تتسع بالكاد لأثنين فى حديقة قريبة،تجلسنى جوارها، تخرج منديلها من حقيبتها، تجفف دموعي تطوقني بيدها، تربت على كتفي ثم تضمني اليها وهى تتمتم:

كلاب مسعورة ..كلاب مسعورة

فى الطريق الى البيت لم يكن يشغلني غير الإجابة التى يمكن ان تقتنع بها أمي حينما تسألني ..ماذا حدث ؟

وصلت، أضغط على الجرس مترددا، تفتح أمي وتسأل:

- ايه اللى حصل ..مال عينيك؟

أجيب منكسا رأسي وعابرا من مساحة ضيقة جوارها :

- مفيش .. قطرة الطليان الزفت

يعود أبي ليلا، نتجمع على مائدة العشاء، إخوتي لا يتوقفون عن الضحك وهم يستعيدون مشاهد مضحكة من يومهم الدراسى.

بعد العشاء ،تهمس أمي لأبي بكلمات غير مسموعة.

يأخذني أبي إلى حجرة مكتبه ويسألني .. ماذا حدث؟

أجيبه ساردا كل التفاصيل.

يسحب أبي نفسا عميقا من سيجارته، يتأمل وجهي بغضب وشفقة، يخبط بيده على مكتبه ثم يطلب مني المغادرة لأنام.

مبكرا يستقيظ أبي، يصلى الفجر، يوقظنى، يطلب مني إرتداء الزي المدرسي، يتأكد من استواء حقيبتي على كتفي، ينطلق بي مغادرين البناية ذات الطابقين، نتجاوز الشارع المغسول بالمطر الليلي والمضيئ بأعمدة إنارة متثائبة، نغوص فى قلب العتمة باتجاه الشمال، نعبر فوق الجسر إلى الضفة الأخرى من وادى درنة الممتلأ على آخره بمطر الشتاء، حيث كانت تلوح من بعيد مزارع الزيتون الملاصقة لساحل المتوسط.

فى الطريق وقبل أن نصل يسألني أبي ماذا تعرف عن جدك أبوزيد ؟

وقبل أن أجيب يحكي أبي

كان جدك أبوزيد يحب المبيت فى ليالي الحصاد وحيدا فى غيط الجرف الكاشف من أعلى للنهر وكان يبدأ طقوسه الليلية بالنزول من الجرف عبر مدق أخضر ليتوضأ من النهر ثم يصلي العشاء وبعدها يمسك بعصاه التي لا تفارقه، يشهرها فى الهواء ويستغرق طويلا فى مراجعة ما يجيده من فنون العصا الدفاعية والهجومية مع عدو محتمل وقبل أن يغمض عينيه يختتم طقوسه بغناء مشاهد من السيرة الهلالية بعذوبة تشبه أصوات طيور تغرد على شاطيء جزيرة تتوسط النهر أمام غيط جدك.

يكمل أبي حكايته وهو  يدقق فى أفرع شجر الزيتون المائلة فى اتجاهنا :

كنت متلهفا للمبيت ليلة مع جدك وعند الغروب رفضت أن أعود وتوسلت لجدتك أن تبقيني مع جدك، وبعد إلحاح مزعج وافق جدك وجدتك. فى هذه الليلة قال لي جدك :

لن تقدر على حماية نفسك إلا اذا أجدت اللعب بالعصا وراح يعلمنى.

توقف جدك فجأة قابضا بشدة على عصاه منتبها للقادم البعيد من الظلام.

القادم البعيد يقترب، ملامحه تتضح، وجه مخيف ورأس مخبأ تحت شال أسود يتدلى من عنقه..  شال أسود على جلباب أسود وفى يده عصا غليظة تغطى قاعدتها بحديد صلب ولما اقترب تحدث بصوت يصلح أن يكون سؤالا  وتهديدا :

- يعنى قاعد فى الضلمة وحدك ياخال أبوزيد ..إياك مش خايف ولا يكونش قلبك تقيل.

يرفع جدك عصاه ملوحا بالهجوم وصائحا بصوت غير خائف:

- مكانك يا وش الشؤم ..لو قربت خطوة واحدة مش هتخطى التانية واحسنلك تقول على نفسك من دلوقت يا رحمان يارحيم...غور من هنا من مطرح ما جيت.

ينكمش الرأس الأسود داخل الجسد الأسود وتكتسى ملامحه المخيفة بالارتباك ثم يستدير إلى الخلف ويختفى فى الظلام كما جاء من ظلام.

يكسر أبي فرع جاف صغير من زيتونة قريبة ، يغرسه فى حقيبتى المدرسية بطولها ثم يطلب منى أن ألوح بالعصا الجافة فى وجه المبادرين بالإعتداء.

فى الطريق إلى المدرسة وفيما نتجه شرقا كانت موجات من الشمس تزيح على مهل ما تبقى من غيوم الامس وكانت درنة كعادتها تستيقظ لكى تسبح فى شمس جديدة قادمة من مصر كل صباح.

التعليقات
press-day.png