رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

طارق تيتو يكتب عن شقيقه "معتقل التيشيرت" بعد 700 يوم في الحبس الاحتياطي: فاض الكيل يا صغيري

طارق تيتو
طارق تيتو

لكم ان تتخيلوا ان محمود ذو الـ 18 عاما كان يسمع أصوات من تنفذ فيهم احكام الاعدام تخيلوا اثر ذلك عليه

بعد اكثر من ١٧ شهر اكتشفت انني لم اعد قادرا على التسامح دموع والدتي قهرتني وهي تتابع مستقبل صغيرها ينهار

كيف لطفل ان يتحمل كل هذا القهر والظلم وعمره يضيع دون ذنب اقترفه سوى انه كان يحلم بوطن بلا تعذيب

محمود معتقل التيشيرت
محمود معتقل التيشيرت

لم تكن المرة الاولى التي يتم فيها تجديد الحبس لمحمود، ولكنها كانت المرة الأولى التي شعرت فيها أن الأرض تترنح من تحتي والسماء تطأطأ من فوقي .. فاليوم خرج قرار المحكمة بتجديد حبس محمود 45 يوما ليتم بذلك اليوم الـ 700 خلف القضبان.. مر شريط العامين الماضيين أمام عيني سريعا وأنا اتذكر هذا الطفل الصغير الذي حولته الزنزانة إلى رجل ناضج ومعاناة أسرتي التي تجهل مصير أصغر أبنائها وما نتعرض له من قهر متكرر اثناء زيارته .

تم القاء القبض علي محمود في الذكري الثالثة لثورة يناير عند عودته الي البيت في كمين المرج لارتدائة تيشرت مدون عليه عبارة " وطن بلا تعذيب " وكوفيه مكتوب علية ٢٥ يناير تلك المعلومة يعرفها الكثير ولكن دعوني احكي لكم عن بعض التفاصيل في الـ ٧٠٠ يوم حبس بعد خروجي من سجني يوم 4/6/ 2014 بعد ٣ شهور من سجني بتهمة الانتماء لجماعة الاخوان المسلمين، رغم انني في ذلك التوقيت كنت متهم بالاعتداء علي مكتب الارشاد، وقلب نظام حكم مرسي أردت ذكر المعلومة للتأكيد علي مقولة "ياما في الحبس مظاليم" .

في اليوم الأول للقبض علي محمود تم تعذيبه، وسحله لساعات وفي تحقيق أمن الدولة تم صعق محمود بالكهرباء في أماكن مختلفة من جسده في الـ ٦٠ يوما الأولى من حبس محمود، لم يعرض محمود علي النيابة العامة ولا قاضي التجديد لأن الداخلية لم تنقل محمود تلك الجلسات بدعوى تعذر نقلة لدواعي أمنية.

ما الخطر من نقل فتي نحيل الجسد عمره لا يتجاوز ١٨ عاما .تطور امر عدم نقل محمود الي جلسته حبسه لاكثر من ٣١ جلسة طول فترة اعتقالة وكل مرة كانت تؤجل القضية لأسبوع او اكثر حتى أصبح محمود محبوس بأمر من وزارة الدخلية.. تنقل خلالها لأربع أماكن احتجاز مختلفة هي قسم المرج سجن أبو زعبل، سجن الاستئناف، سجن طرة، كل مرة لما نكن نعلم سبب نقل محمود لمكان احتجاز اخر.

كان سجن أبو زعبل قريب من محل اقامة العائلة في القليويبة وعند نقل محمود الي سجن الاستئناف زادت معاناه العائلة اسبوعيا مع موعد كل زيارة تنطلق في السادسة صباحا لتصل الي سجن الاستئناف في الثامنة وبين وسائل المواصلات المتعددة تتزايد معاناتنا ونحن نحمل مواد اعاشة محمود كان ذلك الامر متعب للغاية، وعند الوصول تنتنظر ساعات طويلة حتي نلتقي بمحمود لدقائق معدودة بل ان في بعض الاوقات كانت الزيارة " تطبيلة "ويقصد بذلك انك تشوف من تنتظر زيارته وتعطي له اعاشته وتخرج من الزيارة .وفي إحدى المرات حدثت مأمور السجن عن ان لائحة السجون تنص علي ان زيارة المحبوس احتياطي مرة اسبوع لمدة ساعة كان الرد دة كلام .

 

دعوني اخبركم قليلا عن سجن الاستئناف هو سجن سئ السمعه لا يوجد بة اماكن للتريضن المحبوسون يظلون في زنازينهم طول فترة احتجازهم فية لا يرون الشمس الا عند الزيارة والخروج للجلسات، سجن الاستئناف يوجد بة مكان لتنفيذ حكم الاعدام لكم ان تتخيلوا ان محمود كان يسمع اصوات من تنفذ فيهم احكام الاعدام تخيلوا اثر ذلك علي صبي عمرة 18 عام.

 

في عيد ميلاد محمود الأول داخل السجن احضرت له الحلوي لكي يحتفل كنت اريد ان اشاركه الاحتفال لكن ذلك اليوم تم منع دخول الحلوي وقال المأمور نصا "لما هو يحتفل ويخش ليه حلويات وبلالين ازاي يحس انوا مسجون" .

 

بعد اكثر من ٩ شهور نقل محمود الي سجن طرة تحقيق كان الامر افضل بالنسبة الي محمود لكن كان اكثر قسوة بالنسبة للعائلة فالمسافة قد طالت والمواصلات زادت وساعات الانتظار اكثر ,تعلم محمود الرسم والخط العربي .تعلم ان يرسم ميكي موس وبطوط كان يرسم ليجعل جميع اصدقائة سعداء رغم ما يعانيه هو داخل السجن .

 

وفي أحد رسايل محمود لاصدقائة قال" انا هفضل ارسم واملي الدنيا الوان" لكن كان لسجن طرة تحقيق رأي اخر ويبدو انهم تيقنوا ان الرسم مصدر سعادة لهذا السجين فارادوا ان يقهروه فمنعوا عنه ادوات الرسم والالوان و لاكثر من شهر ونصف لم تدخل اي من ادوات رسم لمحمود وكأن بطوط وميكي الذي يرسمهم محمود خطر يهدد الامن .

 

في مرات انتظار محمود في قاعة الزيارات في سجن طرة تحقيق تعرف علي ياسين محمد احد معتقلي قضية مجلس الشوري الحاصلين علي العفو فتعرفا علي بعضهم ودار حوار قصير كان ملخصة ان محمود يسأل ياسين هو الشارع شكله اية الناس عاملة اية محمود نسي شكل الشارع

 

في احدى جلسات تجديد حبس محمود تحدث محمود إلى القاضي بعد مرافعة فريق الدفاع عنه وكان الحوار محمود الي قاضي تجديد حبسه "ياريس انا محبوس بقالي سنه ومش عارف عملت اية القاضي مفهوم يا محمود . محمود يا ريس انا ضاع من عمري سنه قي الدراسة وعاوز اخش امتحانات السنه دي والامتحانات قربت القاضي حاضر يا محمود . محمود يا ريس انا عاوز افكرك الداخلية مصممه تخليني ارهابي وانا ما عملتش حاجة وانت لو جددت حبسي السنه التانية هتضيع في السجن القاضي ابتسامه . دقائق قرار القاضي تجديد حبس محمود"

 

عندما التقيت بمحمود في الزيارة كنت حريص ان أسدي له النصائح حتى يمكن ان يتعايش كم رددت عليه "يا محمود كن متسامح علشان تقدر تتعامل في السجن يا محمود حول تفضل ضحكتك علي وشك وضحكتك هتهزم حاجات كتير .يا محمود اكيد هتخرج من السجن .اكيد هترجع لدراستك واصحابك .يا محمود انسي التعذيب اللي اتعرضت لية ايا كانت صعوبته" ... لكن بعد اكثر من ١٧ شهر اكتشفت انني نفسي لم اعد قادرا على التسامح ..دموع والدتي قهرتني وهي تتابع مستقبل صغيرها ينهار امامها اعينها.. اكتشفت صعوبة نسيان ما تعرض لة محمود من تعذيب فاصعب شعور هو العجز امام تعرض اقرب الناس اليك لأذى ..

 

اليوم وعقب تجديد حبس محمود ٤٥ يوما ابلغت المحامين ان يخبروا محمود "احنا ما نملكش غير اننا نكون اقوياء" لكن الحقيقة كانت عكس ذلك بداخلي فكيف لطفل ان يتحمل كل هذا القهر والظلم وعمره يضيع دون ذنب اقترفه سوى انه كان يحلم بوطن بلا تعذيب .. كيف لطفل اقرانه يمرحون ويقضون احسن اوقاتهم وهو قابع خلف القضبان لا يتذكر شكل الشارع ... كيف لطفل ان يتحمل دموعة والدته في زياراته ان يتحمل كل هذا ..

 

اليوم بعد تجديد حبس محمود كنت واقفا حائرا من سيهون عليه سماع الخبر من سيداوي جراحه ويهون علية قهر ليل الزنزانه بعد ان يعلم انه سيقضي عيد ميلادة الثاني في زنزانته .

 

اليوم اعلن انني لم أعد تحمل دموع امي لم اعد قادرا على احتضانها واحتوائها وانا اهمس في اذنها "غدا سيعود " .لم اعد اقوي علي كتابة رسالة الى صغيري لامنحه فيها مزيدا من الامل والقوة .. لم اعد اثق في شيء سوى انني انعي لكم العدالة فمن عذب محمود اخي طليق حر واخي الذي حلم بوطن بلا تعذيب محبوس دعوني انعي لكم حلمي وحلم شقيق بوطن بلا تعذيب فمن عذب المحامي كريم حمدي حر طليق ولما يقضي في الحبس الاحتياطي الا ٩٠ يوم ومحمود يقضي قرابة السنتين فقط لارتدائة تيشرت وطن بلا تعذيب

 

 بعد كل هذا القهر والالم والحزن الذي يعتصر قلبي والعدالة الغائبة التي تعشش في سماء حياتنا  فأنا لازالت انتظر ذاك اليوم الذي ستنفك فيه القيود ويطاح الظلم فيه ويعود فيه محمود الى حضن امه والى غرفته ..انتظر يوم يخرج فيه ويعود لمدرسته ورفاقه يمرح ويلعب ويدرس ويفرح .

التعليقات
press-day.png