رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

خالد علي يكتب للبداية تشريعات لا يجب أن تمر (2-4): من التصالح مع المستثمرين لـ المزايدات والمناقصات

خالد علي
خالد علي

ربما نجحت قطاعات من القوى الشبابية والسياسية في تسليط الضوء على خطورة عدد من التشريعات التي صدرت قبل تشكيل مجلس النواب شأن التظاهر أو الخدمة المدنية...الخ لكنني اخترت في هذا المقال أن أسلط الضوء على خطورة حزمة من التشريعات الاقتصادية التي رسمت طريقا لحماية الفساد من ناحية، ومن أخرى لمنع وتحجيم الرقابتين الشعبية والقضائية على العقود الادارية التي تحررها الدولة مع المستثمرين وجميعها تقع على المال العام أو المال المملوك للدولة ملكية خاصة، لأن دعوات جذب الاستثمار أضحت حقا يراد به باطل، وأثرت على السلطة التنفيذية حتى نجحت في استصدار تشريعات أصابها الشطط والجموح وتجسد مقولة أن (الاستثمار سيد قراره) لتكون كافة عمليات الاستثمار وتحرير تلك العقود وكافة المنازعات التي تتعلق بها في غرف مغلقة وبعيدة كل البعد عن معايير الشفافية والافصاح وتقتصر على طرفي العقد دون تمكين المجتمع من رقابتها أو اللجوء للقضاء بشأنها. فمنذ ثورة 25 يناير وملف المال العام في علاقته بالمستثمرين، وحدود رقابته قضائيًا ومجتمعيًا يشهد تغيرات حادة، ومنهجية، تنم عن سلوك قصدي ليس فقط على صعيد الممارسة السياسية أو الإعلامية ولكن أيضًا على الصعيد الدستوري والقانوني، وسوف نتناول أبرز التدخلات التشريعية في هذا الشأن، وفقًا لتسلسلها الزمنى، ومن ذلك:

(أولاً) في 3 يناير 2012 أصدر رئيس المجلس العسكري المرسوم بقانون 4 لسنة 2012[1] حيث أتاح التصالح مع المستثمر في الجرائم المنصوص عليها في الباب الرابع من الكتاب الثاني من قانون العقوبات[2] التي ترتكب منه بصفته أو بشخصه أو التي اشترك في ارتكابها في نطاق مباشرته لأنشطة الاستثمار، ويجوز التصالح في أي حالة تكون عليها الدعوى الجنائية قبل صدور الحكم البات[3] فيها شريطة أن يرد المستثمر كافة الأموال أو المنقولات أو الأراضي أو العقارات محل الجريمة، أو ما يعادل قيمتها السوقية وقت ارتكاب الجريمة إذا استحال ردها العيني، فضلًا عن تنفيذ العقوبات المالية المقضي بها. وفى هذه الحالة تنقضي الدعوى الجنائية بالنسبة للمستثمر فقط ولا يمتد الانقضاء لباقي المتهمين معه في ذات الواقعة.[4]

كما أنشئ المرسوم[5] لجنة – تشكل بقرار من رئيس مجلس الوزراء- لتسوية المنازعات التي تنشأ عن العقود المبرمة بين المستثمرين والجهات التابعة للدولة تكون مهمتها بحث ما يثار من منازعات بين أطرافها بشأن تلك العقود، وفى حالة وصول اللجنة مع الأطراف إلى تسوية ودية ونهائية تكون تلك التسوية واجبة النفاذ وملزمة بعد اعتمادها من مجلس الوزراء.

وبالتالي فإن هذا المرسوم أتاح للمستثمرين ارتكاب جرائم جنائية كاختلاس المال العام والعدوان عليه أثناء ممارستهم لنشاطهم الاستثماري وفى حالة اكتشافها يجوز لهم التصالح وكل ما عليهم فقط هو رد تلك الأموال، ولم يشترط القانون توافر حسن النية لدى المستثمر كشرط للتصالح، كما جاءت لجنة فض منازعات الاستثمار بين أطراف العقود الإدارية لتجعل تلك المنازعات بعيدة عن علنية الجلسات بالمحاكم. وإن كان هذا المرسوم على هذا النحو يحمى الفساد ولكن  لا يحد من حق المواطنين في الطعن على عقود الدولة بمفرده، إلا أنه جاء كخطوة تمهيدية لوضع نظام قضائي خاص بمنازعات الاستثمار يحد وينال من رقابة القضاء والمجتمع على عقود الدولة، وهذه الصورة لن تكتمل وتتضح معالمها إلا بباقي التعديلات التي أدخلت على القوانين الأخرى، والتي سنتناولها في العناصر التالية.

(ثانياً) في 11 سبتمبر 2013 أصدر الرئيس المؤقت عدلي منصور القرار بقانون 82 لسنة 2013 بتعديل أحكام قانون المزايدات والمناقصات رقم 89 لسنة 1998، وبموجب المادة الأولى من هذا التعديل أسقط تطبيق قانون المزايدات والمناقصات على الهيئات العامة الخدمية منها والاقتصادية التي تضمنت قوانين أو قرارات إنشائها أو تنظيمها أو اللوائح الصادرة عن تلك القوانين والقرارات قواعد تتعلق بإجراءات البيع والشراء.

وجاء هذا التعديل بعد أن أصدرت محاكم القضاء الإداري والإدارية العليا العديد من الأحكام وأرست مبادئ بأن القانون 89 لسنة 1998 هو القانون الواجب النفاذ على كافة عمليات البيع والشراء والايجار التي تقوم بها وحدات الجهاز الإداري للدولة –من وزارات ومصالح وأجهزة لها موازنات خاصة- وعلى الإدارة المحلية، وعلى الهيئات العامة خدمية كانت أو اقتصادية. واستنادًا لهذا القانون صدرت أحكام بطلان عقد بيع أرض مدينتي، وأرض بالم هيلز، وكافة شركات الخصخصة، وبالتالي جاء التعديل 82 لسنة 2013 الذى أصدره المستشار عدلي منصور ليسمح لتلك الهيئات بالإفلات من تنفيذ قانون المزايدات والمناقصات، بزعم أن لديها قواعد للمزايدات والمناقصات بقوانين أو قرارات إنشائها أو اللوائح التنظيمية لها، وقد ساهم هذا التعديل في تضييق الرقابة الشعبية على تلك العقود ، وتضييق فرص نجاح الطعون القضائية على العقود الإدارية التي تم تحريرها سابقًا بالأمر المباشر، فالتعديل في حد ذاته يعطى رسالة تسمح بوصف قانون المزايدات والمناقصات بأنه قانون بيروقراطي يعوق الاستثمار مما أجبر المشرع على التدخل لتعديله، ومن ثم يفتح الباب للادعاء كذباً بأن الخروج عليه -حتى في حالات التعاقد بالأمر المباشر- لم يكن بسوء نية ولكن كان لضرورات حماية الاستثمار وجذب رؤوس الأموال.

كما ساهم هذا التعديل في منع تطبيق قانون المزايدات والمناقصات عن كافة الهيئات شأن هيئة المجتمعات العمرانية، وهيئة التنمية الزراعية، وهيئة التنمية السياحية، وهيئة الثروة المعدنية... الخ.

رغم أنه كان يتضمن قواعد موحدة وتفصيلية لتلك الإجراءات تضمن الشفافية والعلانية وتكافؤ الفرص والتنافسية، وفتح هذا التعديل الباب لوضع قواعد متباينة لإجراءات المزايدات والمناقصات تختلف من قانون لآخر ومن قرار لآخر ومن لائحة تنظيمية لأخرى، وجعلها لا تتسم بالثبات فالقرارات الإدارية واللوائح التنظيمية من السهل تبديلها وتغييرها لأن ذلك يتم بقرار من الوزير أو رئيس الوزراء عكس القانون الذي يستلزم تعديله موافقة مجلس النواب عليه فضلًا عما يمثله ذلك من تغييب للرقابة البرلمانية والمجتمعية على قواعد المزايدات والمناقصات بتلك الهيئات وطرق إجراء التعديلات عليها وجوهر تلك التعديلات.

إقرأ أيضا:

خالد علي يكتب للبداية : تشريعات لا يجب أن تمر (1-4)

 

 

[1] أضاف بموجب المرسوم 4 لسنة 2012 إلى قانون ضمانات وحوافز الاستثمار رقم 8 لسنة 1997 مادتين برقمي (7 مكررًا، 66 مكررًا).

[2] *وهي الجرائم التي تتعلق باختلاس المال العام والعدوان عليه.

[3] * الحكم البات هو الحكم الذي صدر بعد استنفاذ كافة طرق الطعن عليه العادية منها وغير العادية، أما الحكم النهائي فهو الحكم الذي صدر من محكمة الاستئناف بعد استنفذ الدرجة الأولى ولكن ما زال يمكن الطعن عليه بطرق الطعن غير العادية شأن النقض والتماس إعادة النظر.

[4] المادة 7 مكرر من المرسوم بقانون 4 لسنة 2012.

[5] المادة 66 مكرر من المرسوم بقانون 4 لسنة 2012.

 

التعليقات
press-day.png