رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

بعد منعه من السفر واحتجازه بالمطار.. ننشر أخر مقالات عمر حاذق لـ«البداية»: لماذا يموت المساجين في سجون مصر (3)

عمر حاذق
عمر حاذق

منذ اختير اللواء مجدي عبدالغفار وزيرا للداخلية، يرتفع منسوب القمع بلا توقف. كنا مقموعين منذ وقوعنا في قبضة الشرطة، لكنّ إبداعات جديدة ابتُكِرت لقمعنا. انطلقت مصلحة السجون في حملات "تجريف السجون". أخرجونا من الزنزانة بأشياء بسيطة حملناها إلى ممر التريض، حين عدنا وجدنا زنزانتنا سقفا وأرضا فحسب. صادروا كل شيء: الملابس والأطعمة والبطاطين والمراوح واللمبات... (وكلها أحضرها أهالينا على نفقتهم). الذين لم يجربوا السجن لا يتصورون معنى أن تدخل زنزانتك فلا تجد فيها شيئا، وما من مطاعم ولا مولات تشتري منها شيئا.

أريد تجاوز ذلك إلى الأكثر مأساوية. تدريجًا لم يعد مسموحا لأحدنا بالذهاب لمستشفى السجن إلا في بعض الحالات الحرجة.. ومع تأخير طويل لا مبرر له. نظل ننادي على الشاويش مدة 15 دقيقة في المتوسط، ثم يأتي ويسألنا من فتحة الباب (النضارة) عن مرض زميلنا، ثم يذهب لاستئذان الضابط في فتح الزنزانة، ثم يغيب ما بين 20 – 30 دقيقة أخرى، يفتح الزنزانة ويصر على أن يحمل المريض زميل واحد ماشيا أو مهرولا إلى المستشفى (يستغرق ذلك 10 دقائق أخرى تقريبا). فإذا كانت حالة المريض حرجة، فإنه يكون قد مات وشبع موتا، رغم أن إسعافه كان ممكنا لو نُقل فورا وبطريقة آدمية.

في منتصف أغسطس الماضي، سمعت زملاءنا في زنزانة 12 (عنبر 23 بسجن برج العرب)؛ يصرخون ليلا على الشاويش أكثر من نصف ساعة كاملة لإنقاذ زميل مريض، هو جابر أبو عميرة، رحمه الله، الذي كان قد مات قبل إخراجه أصلا، وقد فضحت أسرته في مقاطع فيديو وتصريحات رسمية تعنّت إدارة السجن في إدخال أدويته. في اليوم التالي بدأت إدارة السجن في السماح بدخول المراوح مع أهالينا (3 مراوح فقط لكل زنزانة رغم وجود 6 صادرتها المصلحة) بعد أن ظلت تمنعها في جحيم النصف الأول من أغسطس مع أنها زادت معدلات التكدس. (تذكر أننا مكدسون في سجن بقلب الصحراء وسقف العنبر تحت الشمس بلا فاصل ولا بناء)!

الأشد نكاية من ذلك منع دخول الأدوية التي يحضرها الأهالي في الزيارات إلا في حالات نادرة، كأن يتفنن الأهالي في إخفائها فتخفى عليهم، أو يمن الله علينا بمخبر أو ضابط ذي حظ من الإنسانية، وهذا يقع لكنْ بندرة، فلا السجن يرحم بتقديم الأدوية الضرورية، رغم أن ذلك واجبه، ولا يترك رحمة الله تصلنا مع الأدوية التي يشتريها الأهالي الفقراء.

في مارس الأسود (2015)، عمدت إدارة السجن إلى زيادة "التمام" وهو عددنا في الزنزانة تكديرا وإيذاءً. كان تمامنا 21 – 22 سجينا في الزنزانة (مساحتها 3.5 * 5.5 م شاملة حماما صغيرا قذرا)، نادرا ما كان التمام يبلغ 24 سجينا. أما في مارس فأصبح التمام 28 سجينا، وصل أحيانا إلى 29. مرة حسبنا المساحة الصافية لكل سجين فكانت، على أساس 26 سجينا، 80 سنتيمترا مربعا للسجين؛ تلك حياة مستحيلة، لذلك نقوم بعمل "طيارة" في كل زنزانة؛ حيث نقوم بـ"فتل" أجولة القمح التي نشتريها من مطبخ السجن، ثم نغزلها حبالا متينة ويقف بعضنا على أكتاف بعض لربطها طولا وعرضا في قضبان النوافذ العالية (لأن سقوف سجننا ونوافذه شديدة الارتفاع)، ثم يتم عمل سلم من الحبال (بلا سياج جانبية)، ويصعد 10 سجناء، في المتوسط، ليعيشوا على هذه "الطيارة" مانعين بمتعلقاتهم عنا وعنهم، دون ذنب، الهواء ونور الشمس القليلين، لأنه مع التكدس لا تُخصص أماكن للمتعلقات والملابس، بل يوزعها السجناء حولهم، على حدود اتصال حبال الطيارة بالنوافذ، "داير ما تدور"، مع حمام مساحته 1 * 1.5 م يتراص السجناء في دور طويل ليفوزوا بالدخول إلى قذارته. هكذا تكون المساحة المتاحة لكل منا بالمسطرة: 53 سم عرضا و160 سم طولا، لنترك ممرا صغيرا بوسط الزنزانة يمشي فيه الزملاء فيدوس بعضنا بعضا لضيق المكان.

لا يريد النظام أن يفكر لحظة واحدة: كيف يتشدق مسئولوه بهيبة الدولة وتطبيق القانون وخدمة المواطن ثم يُمنع الدواء والطعام والرعاية الطبية البسيطة عن سجناء مرضى، رغم أن القانون ينص صراحة على حق السجين في إدخال الأطعمة التي يحتاجها، ورغم أن طعام السجن لا يصلح للبشر (يمكنك أن تتذكر قطع الزجاج والصراصير في مقالات سابقة)؟ أين سيادة القانون من تعذيب السجناء الذي رأيته ورأيت آثاره واضحة على كثيرين من الواردين إلى السجن؟

رأيت في ساحة سجن الحضرة مجموعة من السجناء مربوطين، ممددين في مكان مخصص لتفريغ براميل الزبالة، وكانت آثار الضرب ظاهرة على أنصاف أجسادهم العليا، العارية. لم أر، لحظة مروري، أحدا يضربهم لأن الحفلة كانت قد انتهت. إذا كنا نعيش في دولة، فهل نحمي هيبتها بسحق الآلاف من سجنائها هكذا؟

بينما كنت أكتب مقالي هذا، بلغني موت زميلي نزيل سجن برج العرب أنور العزومي رحمه الله، للسبب ذاته الذي كتبته هنا؛ التأخر الشديد في فتح الزنازين لنقل ذوي الحالات الحرجة إلى مستشفى السجن، ومنع دخول الأدوية التي يحضرها الأهالي رغم أن توفيرها واجب السجن لا الأهالي. أخبرتني زوجة صديق لي من زملائه أنه ظل يحتضر ساعات أمامهم وهم عاجزون عن إنقاذه، منتظرين فتح باب الزنزانة لنقله إلى المستشفى، بعد أن أصيب بنوبة صرع شديدة، لا أحد يدري حتى الآن كيف انهار جسده أثناءها، حين لم يسعفه أحد.

وبينما لم يكد عزاؤه ينتهي، تتدهور حالة المحامي السجين عادل عبد الكريم مصابا "بجلطة في الشريان التاجي مع ضيقة في عضلة القلب" كما نص تقرير طبي من مستشفى العامرية العام... التي نقل إليها بعد تدهور حالته في السجن وتأخر علاجه، ثم أصر الضباط القائمون على حراسته على إعادته للسجن رغم خطورة حالته.

شهادة طبية من مستشفى العامرية عن حالة عادل عبد الكريم
شهادة طبية من مستشفى العامرية عن حالة عادل عبد الكريم

وفي مستشفى سجن برج العرب، التي هي مجرد أسِرة متراصة، ومنذ عودته في 13 أغسطس يعاني تدهورا مستمرا وآلاما مبرحة في الصدر والظهر وضيق تنفس شديدا. منذ البداية، تقاتل زوجته وترسل الشكاوى للنائب العام والمحامي العام بالإسكندرية والإدارة الطبية بمصلحة السجون، أملا في نقله للمستشفى الميري، بلا جدوى، حيث أخبرتها إدارة السجن والإدارة الطبية أنهم ينتظرون موافقة الأمن الوطني على نقله للميري!!!! (منذ 13 أغسطس!!). وأخيرا وصلت الموافقة يوم الأربعاء 21 أكتوبر (بعد وفاة الزميل أنور العزومي وحدوث مشكلات كبيرة مع زميلنا عادل) فنقلوه أخيرا للميري بعد تدهور حالته بسبب إهمالهم، ولأنهم نقلوه متأخرا لم يجدوا أطباء لفحصه، فعاد في نفس اليوم لمستشفى السجن، وتكرر ذلك ست مرات حتى صار الرجل يتمنى ألا ينقلوه خوفا من "بهدلة" الطريق والإجراءات التي لا طائل لها إلا نقله في سيارة ترحيلات بالغة القذارة مع سجناء مصابين بالإيدز، دون أي عزل عنهم من أي نوع!!

كيف ترى الآن هذا المجلس القومي لحقوق الإنسان؟

توضيح واعتذار:

تواصلت معي دعاء الطويل شقيقة إسراء الطويل بعد نشر مقالي "لماذا يموت السجناء في مصر (2)" بتاريخ 4/11/2015م، وأوضحت لي خطئي فيما كتبته في المقال بصدد أن إسراء كتبت بعد حبس ماهينور كلاما أغضبني منها. وأوضحت لي أن إسراء كانت، ولاتزال، تحب ماهينور، وأنها كانت تصور مسيرة لشباب الثورة وقت إصابتها. قناعتي الآن أن ما كتبتُه لم يكن صحيحا، لذا وجب عليّ التصويب والاعتذار لإسراء الطويل.

 

اقرأ أيضا المقالين السابقين :

لماذا يموت السجناء فى سجون مصر؟ | المصري اليوم

لماذا يموت السجناء فى مصر؟ (2) | المصري اليوم

 

 

التعليقات
press-day.png