رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

ولاء صلاح تكتب عن «نور الثورة» بدمنهور: نورهان حماد التي فقأوا عينها بالرصاص في منزلها صبيحة 29 يناير 2011

جمعة الغضب 2011
جمعة الغضب 2011

أكثر ما يلهمني في بداية الشروع بقراءة رواية أو كتاب هو ذلك الإهداء المنمق.. كنت دائماً أتساءل ماذا لو قررت معاقبة العالم بكتابة رواية أو محموعة قصصية.. لا أعرف تفاصيلها بعد!، لكنى أعلم جيداً أن الإهداء سيكون لـ «نورهان حماد»

 

إنها صبيحة الـ 29 من يناير للعام 2011 صبيحة اليوم التالي لجمعة الغضب .. خرجت «نور» لشرفة منزلها القريب من مباحث أمن الدولة بدمنهور لدفع قريبتها الصغيرة ذات السنوات الخمس  للعب بالداخل.. فرائحة الغاز تقترب .. تتسرب شيئا فشئ للحارة الصغيرة.. لم تكن تصغرها كثيراً كانت نورهان فى الحادية عشر من عمرها.. الرائحة تعم الشارع الآن.. لحظات فارقة.. المكان هنا كان هادئ.. الكل يعرف أن هذه المدينة كانت هادئة.. فجأة تحل الفوضى.. انقسم الناس.. أحدهم يلقى الحجارة في اتجاه قوات الأمن.. والآخر يركض هرباً من موت محقق.. البعض ُملقى مختنقاً من أثر الغاز المسيل للدموع.. ثمة صوت هو الأوضح.. رصاصات قوات الأمن التي تخترق الأجساد والبيوت.. تسمرت «نور» مكانها.. لم تعي شيئأ بعد أن استقرت إحدى الرصاصات في عينها اليسرى .

 

«أي خروج للشارع، يعني فرصة لهم لقنصي .. ولكن من يعبء بالموت بعد أن فقأوا عين ابنتي». قالها عم «أحمد حماد» والد نورهان بهدوء شديد، في أول لقاء لنا منذ أشهر قليلة، وكنت قد توجهت لتغطية أحداث انهيار عقار جيرانه الذي تشرد سكانه جراء  بناء برج سكني كبير بجواره..صدفة تعثرت بها لأعرف «نور» بعد سنوات من إصابتها دون أن يسمع عن حكايتها أحد، كغيرها من حكايات مهمشي الثورة الذين قادتهم أقدارهم ناحية المعركة لتنهض على أكتافهم ثورة الشعب.

 

هكذا حمل حماد صغيرته ضئيلة الجسد ونافورة الدم تنهمر من عينها.. يصل إلى مستشفي العيون بعد معاناة شديدة، الغاز والمصابين في كل مكان، المشفى تملأة الأجساد المنهكة المتشبعة برائحة الغاز وطلقات الخرطوش، يرفض الطبيب علاج "نور" ويأمر بتحويلها لمستشفي دمنهور العام .. ظلت  لمدة 9 ساعات تنزف حتي حضر الطبيب، ورغم خطورة الحالة اكتفي  بمحاولات وقف التزيف ونصح عم حماد أن يتجه بها لدكتور "كبير" .. أصاب الأب إنهيار تام .. توقع أن يكون ذلك مجرد جرح صغير سيشفى بعد ذلك .. لكن ثبت انها تعاني من انفجار مقلة العين، وتهتك بالشبكيه وتحتاج لجراحه دقيقة .. نور لن ترى.

 

بدا من كلامه  أن عدداً كبيراً من الأشخاص تعرضوا لتلف وتهتك العينين .. لم يستطع حصرهم بالتقريب، حالات كثيرة فقدت بصرها تماماً بسبب الإطلاق المباشر للرصاص علي حدقة العين, والذي يعد جريمة بكل المقاييس .. تم الحكم علي هؤلاء المتظاهرين وأولئك الذين مروا مصادفة يمشون بين الناس .. بأن تتغير حياتهم جميعاً بالإعاقة مدي الحياة.. العشرات انفجرت أعينهم وتم تصفيتها، كانوا يفترشون أرض المستشفى العام ومستشفى العيون بدمنهور .. لا نعلم عنهم شيئاً ولم يتحدث عنهم أحد.  إسلام أيضاً الذي يصغر " نور"  بعام ولا تذكر إلا إسمه الأول .. أصابه القناصة في إحدى عينيه، ولن يرى بها. ,وبدأت رحلة "نور" لإثبات نسبة العجز للحصول على تعويض لما لا يُقدر بثمن، وحدد القومسيون الطبي بالقاهرة بنسبة عجز جزئي تقدر بـ 30% متجاهلاً التقرير الذي صدر عن تقرير الطبيب "الكبير" بدمنهور والذى حدد نسبة عجز تقدر بـ  70 % ..  هي "ورقة" تسعى الدولة من خلالها  تخفيض الثمن .. ثمن أحدى عيون "نور" .. فتنتزع جزء من التعويض المستحق كما انتزعت "الضي".

 

قرابة الساعتين أستمع لوالدي نورهان التي ترفض التصوير رفضاُ قاطعاً، حتى مع زميلاتها وأختيها،  يتحسس عم حماد كلماته خوفاً على مشاعر رقيقته الصغيرة التى تقبع في غرفتها مازالت تخجل من الحديث عن "عينها" بعد قرابة الـ 5 سنوات، يخبرني هامساً " نور بتتكسف من عنيها مش حاسة إن ده وسام على صدرها.. لكن الثورة خلاص مابقالهاش أثر حتى سيرتها مابتجيش في التلفزيون محدش فاكر الثورة .. تقاطعه والدتها ما تكلميها حضرتك .. هي نفسها  تدخل كلية الصيدلة .. بس أنا مش فارق معايا.. المذاكرة الكتير بتجهد عينها .. مش مهم صيدلة المهم تحافظ على "عينها اللي فاضلة".

 

أنهيت الزيارة واحتضنت نور .. كان وجهها من تلك الوجوه الآسرة، ضربات قلبي تحاكي ذلك الضجيج بداخلها .. تلك التضحية هي لم تُقدم عليها، لا تشعر بالفخر تجاه ما قدمته .. ربما لم تدرك قيمة ذلك الشيء المُضحي من أجله. هي لا تبصر سوى تحديق زميلاتها بعينها لا تذكر سوى كلمة إحداهن "ده انتي عينك الشمال دي بايظه خالص". هل نستحق الثمن؟ لست أدري.

 

التعليقات
press-day.png