رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

إلهامي الميرغني يكتب عن: السيسي والاقتصاد «على خطى مبارك».. فقه الأولويات وفشل السياسات

السيسي
السيسي

هل توجد في مصر أزمة اقتصادية هيكلية حادة ؟! الأجابة من المؤكد نعم.السؤال هل الرئيس السيسي مسئول عن هذه الأزمة ومسبب لها؟ الأجابة انه تسلم هيكل اقتصادي مختل وأزمة اقتصادية حادة وحقيقية ولكنه لم يستخدم أساليب مختلفة في العلاج واستمر يستخدم نفس السياسات القديمة التي أدت للأزمة. بما أدي إلي تفاقمها.لكن ما هي جذور الأزمة ؟!

 

أزمات مصر الاقتصادية معروفة

1.           إنهيار القطاعات السلعية خاصة الزراعة والصناعة.

2.           عجز ميزان المدفوعات وتضخم الورادات بلا ضوابط وزيادة الاعتماد علي الخارج.

3.           عجز الموازنة العامة للدولة وتضخم الجهاز الإداري للدولة وانهيار المرافق والخدمات العامة.

4.           عجز القطاع الخاص عن تعويض تراجع دور الدولة وانفجار العديد من الأزمات السلعية .

5.           تفاقم حجم المديونية المحلية والخارجية بشكل غير مسبوق.

6.           تراجع القيمة الحقيقية للجنيه امام العملات الحرة نتيجة انهيار الانتاج وتواضع حجم الصادرات.

7.           تزايد الاعتماد علي مصادر الدخل الريعية كالبترول والغاز وعائدات السياحة وقناة السويس وتحويلات المصريين في الخارج.

8.           التوجه العقاري للدولة بحيث تري مصر كلها ارض ومباني قابلة للبيع .

9.           ضعف وتاكل الهياكل الانتاجية والمرافق والخدمات العامة وغياب الصيانة والاحلال والتجديد وعدم مواكبة التطورات التكنولوجية.

10.     زيادة الاعتماد علي الاستثمار العربي والاجنبي ومشاركة القطاع الخاص.

 

كان العالم يتطلع لما يحدث في مصر بعد 25 يناير.وهو متشكك من مصير الأوضاع في مصر.فجاء المجلس العسكري الأول ثم حكم الأخوان ثم 3 يوليه واخيراً انتخاب الرئيس السيسي كرئيس منتخب لمواجهة الأزمات التي تفاقمت في ظل حكم الأخوان.

 

تمتع الرئيس السيسي في بداية حكمه بمميزات لم ولن تتوفر له أو لغيره في فترات لاحقة. فقد حظي بتأييد شعبي جارف تجسد في 30 يونيو ثم مظاهرات التفويض ، ودعم خليجي لا محدود خاصة من السعودية والإمارات ، وترقب حذر من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي قابله دعم روسي وصيني كبير.

 

لكن الرئيس السيسي هو ابن مؤسسة مبارك تربي وتعلم في ظلها ولا يعرف طريق آخر غير طريق مبارك.وللاسف لم يدرك المتغيرات الداخلية والاقليمية والدولية الداعمة له واستمر في تطبيق نفس سياسات مبارك الاقتصادية مع المزيد من التضييق علي الحريات السياسية.

 

فقد كان نظام مبارك أكثر ذكاء في تركه هامش من الحرية للتنفيس لكي لا يحدث الانفجار، الذي صم أذان الجميع في 25 يناير.لكن بدلاً من توسيع المجال العام بدء حصار شامل علي الحريات وهجوم علي كل رموز المعارضة لكي لا يصبح أمام جماهير يناير ويونيه سوي الزعيم المخلص.

 

إنهال الدعم الخليجي السعودي والإماراتي ولكن نظراً لغياب الرؤية الاقتصادية والسياسية للمجموعة الحاكمة.استمرت نفس سياسات مبارك واستخدمت القروض والمساعدات الخارجية في محاولة تعويض الاحتياطي النقدي المتآكل بدلاً من البحث عن حلول جذرية للمشكلة بإعادة التركيز علي الهيكل الانتاجي السلعي في الزراعة والصناعة. إضافة إلي تغطية الواردات الغذائية التي لا يمكن ان تتوقف .

 

بدلاً من بحث مشاكل الانتاج والاكتفاء الغذائي وتشغيل المصانع المتوقفة وتطوير التكنولوجية وتحديد أولويات التنمية.تم تبديد المساعدات والقروض التي تم التوسع فيها بشكل كبير لتمويل الاستهلاك بدلاً من تطوير الانتاج لزيادة الصادرات ودعم الجنيه المصري وتقليل الاقتراض المحلي والخارجي.ومحاولات رفع معدلات الادخار المحلي وجلب الاستثمار للقطاعات السلعية.

 

تم التوسع في القروض الخارجية بشكل مفرط زاد بعد تولي وزارة شريف اسماعيل وتولي الدكتورة سحر نصر أحد قيادات البنك الدولي لحقيبة التعاون الدولي. لتصل معدلات الديون والفوائد لارقام غير مسبوقة في ظل انهيار نظام مبارك.

 

فقه الاولويات

بدلا من تحديد رؤية تنموية واضحة ومعلنة ليشارك الشعب في تحمل اعبائها بشكل عادل.تم الغاء الضريبة التصاعدية علي الدخول وإلغاء ضريبة البورصة، والتغاضي عن تطبيق الحد الأقصي للأجور، والتلاعب بالحد الأدني،واصدار عدد من التشريعات الداعمة لنهب مصر بدء من تحصين العقود ومروراً بقانون الاستثمار والعديد من التشريعات الداعمة لنهب مصر.

 

بدلاً من التفكير في حل لأزمة السكن في مصر ووضع ضوابط لانفلات القطاع الخاص والاستثمار الخليجي.تم التوسع في هذا التوجه بعد مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي وبدء الحديث عن إنشاء عاصمة جديدة،ومركز إداري ترفيهي في الشيخ زايد ومدينة في مطار القاهرة ومرسي لليخوت في الساحل الشمالي.بينما بدأ ساويرس بعد الاطاحة بوزيرة العشوائيات ووزارتها تنفيذ مخططاته في مثلث ماسبيرو.ويعود مخطط جمال مبارك لمصر 2050 للحياة ولكن بدون جمال مبارك.

لذلك سأضرب مثالين لفقه الأولويات وانحيازات التنمية وتبديد الموارد .

 

 

المثال الأول – مشروع تفريعة قناة السويس

كان حلم المصريين بمشروع قومي مثل السد العالي. فخرج عليهم الرئيس السيسي بمشروع قناة السويس الجديدة.وعندما تخلي رجال الأعمال عن الرئيس وصندوقه   " حب مصر".جمع الفقراء والطبقة الوسطي 60 مليار جنيه من مدخراتهم في أسبوع ووضعوها في مشروع قناة السويس الجديدة.فهل كان المشروع وفق فقه الأولويات هو الأهم لخروج مصر من أزمتها.رغم ركود التجارة الدولية وتراجع أسعار النفط.وماذا كان سيحدث بمصر لو تم توجيه هذا المبلغ لتطوير الزراعة والصناعة؟!

 

عندما اعلنت قيادات القوات المسلحة أن المشروع يستغرق تنفيذه ثلاث سنوات. اعترض الرئيس بلا مبرر وطلب تنفيذه خلال عام.ولو كان سأل مستشاريه أو سأل الخبراء الوطنيين عن أحوال التجارة الدولية ربما كان الوضع مختلف.وجندت الإمكانيات واستاجرت الكركات العملاقة من كل أنحاء العالم بتكلفة كبيرة لينتهي المشروع في مدة قياسية رغم ان العمل الرئيسي به كان الحفر والردم.

 

هل كانت الأولوية الاقتصادية لمشروع تفريعة قناة السويس؟ وسألنا من أين سيتم سداد عائد شهادات الاستثمار قبل حدوث طفرة في إيرادات القناة. وتجاهل المسئولين هذه الاسئلة.وجاءت الأرقام منذ افتتاح التفريعة مخيبة للامال حيث تراجعت عائدات قناة السويس.ومع انخفاض اسعار النفط اصبحت الشركات الدولية تري ان الدوران حول رأس الرجاء الصالح أقل تكلفة من عبور قناة السويس.

 

لو تم توجيه الستين مليار جنيه للقطاع الزراعي والصناعي وتطوير الانتاجية واستعادة جودة التربة في الوادي وتطوير أنظمة الري والصرف وتصنيع الريف وتشغيل المصانع المتعثرة.كانت الحالة تبدلت ولكن التنمية انحياز والنظام انحيازاته في اتجاه نفس سياسات مبارك.

 

المثال الثاني هو أزمة زيت الطعام في مصر

تستهلك مصر 1.5 مليون طن زيت طعام سنوياً لا ننتج سوي أقل من 5% منه فقط. ولن نرجع لوقت سابق كثيراً ولكن عام 2003 استوردت مصر شحوم ودهون و زيوت بقيمة 912 مليون جنيه وصلت في عام 2014 إلي 10.5 مليار جنيه .

لذلك تضطر مصر لتدبير قيمة هذه الورادات من الزيوت بالعملة الصعبة وبما يمثل المزيد من الضغط علي سوق الصرف والمزيد من العجز في ميزان المدفوعات ومزيد من القروض.ويصبح هم المجموعة الاقتصادية هو تدبير العملات الصعبة لتغطية الاحتياجات من الاستيراد في أسرع وقت.لأن الشعب الذي يعيش 43% من سكانه تحت خط الفقر لن يستطيع الحياة بدون زيت الطعام.

ويصبح مقياس الكفاءة هو تدبير الأموال بالقروض والمساعدات وابرام تعاقدات عاجلة قبل أنفجار الأسواق.لكن هل فكر صانع السياسة الاقتصادية في حل جذري للمشكلة ؟! هل يعرف اننا كنا نغطي احتياجاتنا بالكامل من زيت الطعام ونصدر للخارج قبل تنفيذ سياسات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي؟!هل يعرف ما هو السبب الحقيقي لذلك وكيف يمكن علاجه؟!

ببساطة شديدة تراجعت المساحة المزروعة بالقطن من 535 ألف فدان تنتج 596 ألف طن قطن عام 2003 تستخدم بذر القطن في انتاج الزيت الرئيسي الذي كان يعتمد عليه المصريين،وتراجعت المساحة إلي 287 ألف فدان تنتج 253 ألف طن. نفس الوضع ينطبق علي الكتان عام 2003 كنا نزرع 31 ألف فدان تنتج 152 ألف طن ووصلت الي 7 الاف فدان عام 2013 تنتج 33 ألف طن فقط.كما انخفض متوسط نصيب الفرد من زيت بذر القطن وعباد الشمس من 3.4 كيلو جرام للفرد عام 2003 إلي 2.2 كيلو جرام للفرد عام 2013.

إذا لو كنا نريد وقف نزيف القروض وتحقيق اكتفاء ذاتي من الزيوت يجب ان نعتمد خطة علي محورين :

المحور الأول – تنمية المحاصيل الزيتية

كالقطن والكتان إضافة للذرة وعباد الشمس والنخيل والصويا بحيث نغطي احتياجاتنا من زيت الطعام.وتدعم الدولة زراعة هذه المحاصيل وتوفر اسعار اقتصادية تحفز الفلاحين علي زراعتها بما يغطي فجوة زيت الطعام ويوفر خامات للعديد من الصناعات الأخري.

المحور الثاني – إنتاج زيت الطعام

يوجد في مصر 24 شركة قطاع خاص لإنتاج الزيوت بلغت الطاقات العاطلة بها 21% عام 2013.

إضافة لوجود 6 شركات تابعة لقطاع الاعمال العام وهي :

-      شركة ابو الهول المصرية للزيوت و المنظفات وهي اقدم شركة مصرية لانتاج الزيوت ويعود تأسيسها إلي عام 1899 وتملك الشركة ثلاث مصانع في كفر الزيات ومحرم بك والعامرية بالاسكندرية ولازالت شركة قطاع عام خاضعة للقانون 203 لسنة 1991، ويبلغ رأسمالها 156 مليون جنيه.تنتج زيوت ماركات كهرمان وأبو الهول والفرنساوي وبانيه.

-      شركة النيل للزيوت والمنظفات تأسست عام 1946 وتم تأميمها في الستينات ويتبعها 4 مصانع في شبرا الخيمة واسيوط ومصنعين في سوهاج ويعمل بها 2,260 عامل وتطرح منتجاتها من الزيوت باسم مرمر واللؤلؤة وسوزيت.

-      شركة مصر للزيوت والصابون وهي شركة قطاع أعمال خاضعة لقانون الشركات المساهمة ويبلغ رأسمالها 60 مليون جنيه.تملك الشركة خمس مصانع وتنتج زيوت عباد الشمس ( سارا ) ،زيت ذره ( كورن اويل ) ، زيت بذرة قطن ( لوزة ) ،وزيت خليط ( نعمة ) ، زيت صويا ( الممتاز )، نعمة خليط     ( صويا / عباد / قطن ).

-      شركة طنطا للزيوت و الصابون و المياة الطبيعية يبلغ رأس مال الشركة 175 مليون جنيه ويعمل بها 2,434 عامل وهي تملك ثلاث مصانع في طنطا وبنها والمحلة.وتنتج زيت زمزم بذرة قطن صافي، زمزم خليط من زيت عباد الشمس وزيت بذرة القطن، سلاسل عباد شمس صافي، نبع ذرة صافي، زمزم زيت حار.

-      شركة الاسكندرية للزيوت و الصابون تأسست عام 1963 ويبلغ رأس مال الشركة 151 مليون جنيه ويعمل بها 2,365 عامل موزعين علي 6 مصانع.تنتج الشركة زيوت كهرمان وكوكي والكرنك وميزو.

-       شركة الزيوت المستخلصة و منتجاتها وهي من الشركات التي طرحت اسهمها في البورصة في إطار عملية الخصخصة وإن كانت الشركة القابضة للصناعات الغذائية لا زالت تحتفظ بحوالي 26.5% من الاسهم واتحاد العاملين 5%. من منتجاتها زيت كهرمان التمويني وزيت ذرة الصفا وزيت عباد الشمس ميرا وزيت بذر القطن الفرنساوي وزيت خليط مروة.

إذا لدينا 30 شركة وطنية لإنتاج الزيوت منها 6 قطاع عام وقطاع اعمال عام و24 شركة خاصة.ولكن غالبية الشركات تستورد خامات من الخارج وتقوم بتعبئتها فقط نتيجة نقص الخامات ولذلك هي ايضاً تشكل عامل ضغط علي العملات الأجنبية بخلاف الاستيراد للمنتجات تامة الصنع.

هنا وفق فقه الأولويات وانحيازات التنمية كان من الممكن التوجه لزيادات المساحة المزروعة بالمحاصيل الزيتية وتطبيق الدراسات التي اعدتها مراكز البحوث الزراعية لزيادة الانتاجية.وتطوير صناعة الزيوت وتحديثها لنصل لإنتاج محلي يغطي احتياجات الاستهلاك ويحقق فائض للتصدير.بذلك يقل الطلب علي الدولار والعملات الأخري ويقل الاعتماد علي القروض لاستيراد الزيوت.

إذا كل مشاكل وأزمات الاقتصاد المصري لها حلول ومتوفر بها عشرات الدراسات والاف البحوث والدراسات. لكن غياب رؤية التنمية وانحياز السياسات الاقتصادية للاقتراض والاستيراد هو اختيار تمليه مصالح المستوردين وتجار العملة وهيئات التمويل الدولية.وبفضل هذه السياسات تم تدمير زراعة القطن والكتان وتدمير صناعة القطن والكتان ليزيد اعتمادنا علي الخارج. وبدلاً من العلاج الجذري للمشكلة تجري الحكومة لإطفاء الحرائق بمزيد من القروض.

لقد تغيرت الأوضاع الاقليمية والدولية المحيطة سواء من حيث تراجع اسعار النفط العالمية أو تصاعد الحرب في سوريا وبدأت دول الخليج تضغط لدفع استحقاقات سياسية في اليمن والحلف التركي السعودي، وبدأ الدعم الروسي يخفت خاصة بعد حادث الطائرة الروسية. كل ذلك يقتضي التفكير بطريقة مختلفة.لكن للاسف لا تزال تحكمنا سياسات مبارك بدون مبارك.ولازال المستوردين ومؤسسات التمويل يديرون الاقتصاد المصري لمصالحهم.

الهامي الميرغني
الهامي الميرغني
التعليقات
press-day.png