رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

ننشر مقال كارم يحيى الممنوع من النشر في الأهرام : محنة عمال ترسانة الإسكندرية

كارم يحي- عمال الترسانة البحرية
كارم يحي- عمال الترسانة البحرية

هذا المقال الهادئ جدا عن عمال الترسانة البحرية كان من المفترض نشره في الاهرام اليوم الثلاثاء 19 يوليو 2016.. لكنه جرى حجبه على مايبدو في اللحظات الاخيرة قبل النشر

حقيقة كنت لن اسامح نفسي اذا لم احاول ان اكتب عن معاناة هؤلاء العمال مع الاحالة للمحاكمة العسكرية وفي الاهرام حيث مساحة مقال الرأي المتاحة لي كل أسبوعين يوم ثلاثاء

.............................

كارم يحيى

شجعني تصريح للصديق الأستاذ جورج اسحق عضو المجلس القومي لحقوق الانسان نهاية الأسبوع الماضي على ان أطرق هذه القضية هنا والآن . اتصلت به وتأكدت هاتفيا من الخبر الذي يتضمنه التصريح .فأكد أن المجلس سيناقش الأربعاء المقبل (غدا) قضية عمال الترسانة البحرية بالاسكندرية المحالين الى المحاكمة العسكرية . ومن جانبي علمت لاحقا أن هناك مذكرة قانونية أمام اجتماع المجلس تفيد بمخالفة الاحالة للمحاكمة العسكرية للمادة 204 من الدستور .مع ان هذه المادة محل انتقادات لأنها لاتغلق بشكل تام باب محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري .

 

وعلى أي حال خيرا فعل المجلس القومي بالشروع في فتح هذا الملف . ولو كان ثمة تأخير. لأن القضية تتفاعل منذ احتجاج العمال في مايو الماضي .ثم حصار واغلاق شركة الترسانة البحرية بالاسكندرية ( وحتى كتابه هذه السطور) واحالة 26 من عمالها للمحكمة العسكرية يوم 24 مايو مع حبس 13 من بينهم واعتبار باقي المتهمين بالتحريض على الامتناع عن العمل هاربين، باستثناء سيدة واحدة جرى اخلاء سبيلها . والقضية تعني المجتمع المدني في الداخل .وقد صدرت بالفعل بيانات العديد من الأحزاب والنقابات والجمعيات تضامنا مع هؤلاء العمال .ولاشك ان العالم بأسره لا يستسيغ أو يتقبل فكرة احالة مدني ناهيك بعامل في مصنع للمحاكمة أمام القضاء العسكري .فمابالنا ان يجرى هذا في الاسكندرية التي شهدت مع نهاية القرن التاسع عشر فصولا لا تنسي في تكوين الطبقة العاملة المصرية و خبراتها النضالية من اضرابات ونقابات .

وكنت قد ذهبت الى الاسكندرية لاستقصاء وتحقيق القضية من أفواه عائلات وزملاء هؤلاء العمال.وهذا لأننا ربما أزاء أكبر عدد من العمال يحالون للقضاء العسكري على صلة بعلاقات العمل في تاريخ مصر.ونحن هنا يقينا لانتحدث عن متهمين بشبهات إرهاب أو عن محاكمات عسكرية لسياسيين . ولقد حرصت قبل الاستماع الى أصحاب القضية أن أطلع على تيسر من أوراقها ، وبما في ذلك قرار النيابة العسكرية احالة العمال الستة والعشرين الى المحاكمة و المذكرة التفصيلية بالوقائع من ادارة الشركة ذاتها ورئيس قطاع الأمن بها . وخلصت من كل هذا الى أن العمال احتجوا مطالبين بحقوق مالية ووظيفية وبتطوير وتحسين الانتاج والتشغيل و بالسلامة المهنية والوقاية من مخاطر وإصابات العمل بما في ذلك الحروق .وكلها أمور وتطورات تجرى في أي مصنع أو شركة . ويمكن حلها عبر التفاوض الجماعي وحتى باستخدام أدوات ضغط كالاضراب . وهو حق مشروع بمقتضي المادة 15 من الدستور والاتفاقات الدولية التي وقعت عليها الحكومة المصرية وأحكام قضائنا المحلي . و الثابت ومن أوراق ادارة الشركة والقضية ذاتها ان احتجاج عمال شركة الترسانة البحرية لم يكن قد تطور الى الاضراب وانه كان سلميا واقتصر على مجرد وقفات رفع العمال خلالها مطالبهم المشروعة. ولم يشهد يقينا حادث تخريب أو اعتداء واحد . والاتهامات الموجهة للعمال لاتتجاوز كثيرا التحريض على الامتناع عن العمل .

و الترسانة البحرية بالاسكندرية هي بالأصل شركة مدنية تأسست عام 1960 . وانتقلت الى تبعية القوات المسلحة قبل سنوات معدودة فقط . وتعاقد الشركة مع عمالها المدنيين يخضع للقوانين المدنية. بل ويستغرب عمال الشركة محاكمتهم عسكريا بدعوى تبعية المكان للقوات المسلحة فيما لايتمتعون هم بأي من مزايا العسكريين ،بما في ذلك العاملين المدنيين بالقوات المسلحة . وفوق كل هذا فهؤلاء العمال التحقوا بالشركة قبل انتقالها لتتبع جهاز الصناعات والخدمات البحرية بالقوات المسلحة . ولم يجر استحداث أي تغييرات او تعاقدات جديدة تخرج بعلاقات العمل في الشركة عن القانون المدني . ولكل هذا ولاعتبارات يضيق عنها المقام هنا فان التوسع في المحاكمات العسكرية بدعوى الولاية المكانية للقوات المسلحة كي تشمل عمال مدنيين ولتفصل في مجال علاقات العمل الخاضعة للقوانين المدنية من الأمور التي تستأهل القلق وتستحق المراجعة . و من يستمع الى المعاناة المعيشية لعمال الترسانة البحرية وعائلاتهم قبل هذه القضية وبعدها وفي ظل أعباء غلاء لايمكن احتمالها لابد أن يتساءل :وهل من صالح أحد في هذا البلد أن يجرى وضع العمال في مواجهة الادارات و المحاكم العسكرية ، وخصوصا مع التوسع في دور القوات المسلحة في الاقتصاد والانتاج والخدمات والسوق؟ . ولعل السؤال يستاهل النقاش المجتمعي قبل ان تستفحل آثار مثل هذه الظواهر وعواقبها . وبالقطع يمكن ادارة حوار يسوده العقل والتبصر ولصالح المجتمع المدني والقوات المسلحة معا .

ولقد كان من المفترض انه لدينا في مصر حساسية تاريخية إزاء محاكمة العمال عسكريا بعد مأساة إعدام خميس والبقري في مصانع كفر الدوار سبتمبر 1952 .وبشهادة قادة عسكريين تاريخيين عظام عندنا فان تضحيات الطبقة العاملة ودورها الوطني في القتال من أجل اجلاء الانجليز عن القناة في مطلع الخمسينيات وحروب 56 والاستنزاف و1973 لاينكرها إلا جاحد. وليس من صالح هذا البلد ان يلتحق مجددا بالقائمة السوداء عند منظمة العمل الدولية وان تتعدد الملاحظات السلبية على انتهاكات حقوق العمال . وبالقطع فان المحاكمات العسكرية للعمال والمدنيين ليست من الأمور التي يتقبلها أو يتفهما الرأي العام في أي مكان بالعالم . وعلى أي وجه أو مبرر كان .

 
التعليقات
press-day.png