رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

في ذكرى رحيله.. محمود درويش شاعر رسم من جغرافيا محتلة وطنًا وراء المدى: «مازال حيًا في مكان ما»

محمود درويش
محمود درويش
«أَمضي إلى ما لَسْتُ أَعرفُ/ رُبَّما، ما زلتُ حيّاً في مكانٍ ما، وأَعرفُ ما أُريدُ / سأصيرُ يوماً ما أُريدُ / سأَصيرُ يوماً فكرةً/ لا سَيْفَ يحملُها إلى الأرضِ اليبابِ، ولا كتابَ/ كأنَّها مَطَرٌ على جَبَلٍ تَصَدَّعَ من تَفَتُّح عُشْبَةٍ، لا القُوَّةُ انتصرتْ ولا العَدْلُ الشريدُ».
ساهم محمود درويش، الذي يوافق اليوم  9 أغسطس الذكرى الثامنة لوفاته. في جعل الوطن كلمات تحلق كي تصل وراء المدى، وتحول الوطن عبر كلماته من جغرافيا صماء ومحتلة إلى حبيبة تحمل بندقية، وكرس في جُل إنجازه الشعري، خاصة في بداياته، المقاومة كحل للقضية الفسطينية.
ولد "درويش"، في قرية "البروة" في عكا، 1941، ولم يبلغ السادسة من عمره حتى هُجِرت عائلته كباقي الفلسطينين 1948، ولجأت إلى لبنان، ما أسس لوعي درويش بقضية الوطن، وحوّل مسألة النضال بالنسبة إليه إلى أسلوب حياة.
كان لـ"درويش"، في طفولته معجماً يختلف عن باقي أطفال العالم، حيث يجتمع الكبار يتحدثون في السياسة ومصطلحات كمؤتمر وزان وحق العودة واللاجئين والتسلل والصليب الأحمر، بدا هذا القاموس إعلانًا بإنتهاء طفولة هذا الجيل.
حين حاولت عائلة درويش العودة متسللة إلى الديار بـ"الجليل"، بعد عام من تهجيرها على يد المحتل الصهيوني، وجدت "البروة" قد مُحت كما لو تبخرت، وحلّت مكانها قرية استيطانية صهيونية، حملت اسم "أحيهود" فقررت العائلة التوجه إلى قرية "دير الأسد" وهنا تابع محمود درويش دراسته المتوسطة.
عن هذة الفترة في حياته، تحدث شقيقه أحمد درويش، فى أحد الأفلام الوثائقية، واصفاً المواهب الفنية التي بدت واضحة على ملامح شخصيته، كان يحب الرسم والتلوين، ولولا ضيق العيش وعدم قدرته على شراء الألوان وغيرها من أدوات الرسم، لَما اتجه للكتابة التي لا تُكلفه سوى قصاصات ورقية ومِداد.
بدأ محمود درويش نشاطه النضالي وعمله الأدبي بعمر الـ18 حيث أبدع مجموعته الشعرية الأولى، وانضم إلى الطليعة في الحزب الشيوعي، وعُيّن محرراً للملحق الأدبي في صحيفة الاتحاد، وراح يمارس كل ما يهوى من الكتابة، بدءاً من الكتابة النضالية السياسية إلى النقد المسرحي والشعر، وكان حينها يمثل ظاهرة عرفت في فلسطين بـ"شعراء المقاومة".
كانت فلسطين تقع تحت الحكم العسكري، واعتبرت كتابة الشعر وقراءته بالعربية، أحد أشكال المقاومة، ما أدى إلى اعتقاله مرات عدة من قِبل الكيان الصهيوني، كانت أولها في 1965، حيث قُبض عليه بجريمة "إلقاء الشعر" دون تصريح، في جامعة القدس، واعتقل في سجن "الرملة"، ويتحدث أخيه عن تلك التجربة، فذهب هو ووالدتهما لزيارة في السجن، فإذ بالشاب الوسيم في لباس السجن، وكتب حينها على قصاصة "أحنّ إلى خبزِ أمي" والتي أصبحت من أشهر قصائده.
وحين اعتقل في سجن عكا بتهمة "كتابة الشعر القومي" الذي أغضب الحاكم العسكري، طلب منه ضابط إسرائيلي هويته، فمشى يتشامخ ورد عليه:
" سجل
 أنا عربي
ورقم بطاقتي خمسون ألف
وأطفالي ثمانية
وتاسعهم سيأتي بعد صيف
فهل تغضب
أنا عربي".
 
بدأ "درويش"، في منتصف العشرينيات حياة الترحال، في عام 1971 أرسله الحزب إلى موسكو في منحة دراسية، وكان ذلك بداية الانفتاح على "الفردوس الشيوعي". واستكمل منفاه، حين قرر الذهاب إلى القاهرة، الذي دخلها ليلاً ووصف درويش قراره ذاك بأنه "أصعب قرار أخذته في حياتي".
 
وفي القاهرة وجد "درويش" نفسه لأول مرة في مدينة كل سكانها عرب، يتحدثون العربية في الشوارع والمكاتب وحتى لافتات المتاجر تُكتب بالعربية، بدأ العمل الصحفي فى جريدة "المصوّر" ثم لاحقاً عمل في جريدة الأهرام، تحت رعاية الأستاذ محمد حسنين هيكل، وجمعت القاهرة درويش بصداقات من النُخب، أبرزها كان نجيب محفوظ، ويوسف إدريس والموسيقار محمد عبدالوهاب والأبنودي، وشهدت تلك الفترة تحولات شعرية قوية، ووصف درويش القاهرة بأنها كانت "منطلقه الشعري الثاني"، ومن أشهر انتجاته الشعريه حينها قصيدته "سرحان يشرب القهوة في الكافيتريا" والذي تعرض على إثرها للنقد، بالتزامن مع التضيقات التي مارسها السادات على الصحفيّين والمثقفين في مصر، وضغوط منظمة التحرير، كل هذا دفع بـ "درويش" لمغادرة القاهرة بزخمها، ليذهب لمحطة أخرى فى طريق المنفى.
 
وفي بيروت، تجربة مميزة في حياتة، كانت حرية الثقافة والصحافة في بيروت، أجواء تلائمه، فشهدت تلك المرحلة تحرره من العمل اليومي ليعطي القسط الأكبر لإبداعه الشعري، وهنا استكمل العمل النضالي، وتحقق نضجٌ شعري، ساعد في ذلك الإلتصاق الجسدي بالشعب الفلسطيني، فأصبحت بيروت تجربة ملحمية في حياته.
 
انضم "درويش" لمنظمة التحرير الفلسطينية، وعندما نجحت المنظمة في انتزاع اعتراف دولي بها، وذهب ياسر عرفات إلى الهيئة العامة في الأمم المتحدة، كتب له خطابه الذي ألقاه هناك، وكان هذا دليل على العلاقة القوية التي تجمع بين أبو عمار ودرويش، ويصف فواز طرابلسي، كاتب وأستاذ جامعي، في لبنان تلك العلاقة بقوله "أبو عمار كان بمثابة الأب، ومحمود كان بمثابة الابن المتشيطن، لا ينصاع دائماً لمواقف الأب، رغم العلاقة القوية".
 
وفي عام 1982 كان اجتياح الاحتلال التاني لبيروت، عايش درويش مع مجموعة من الصحفيين والأدباء تجربة حصار بيروت، وكان له دورا داعما للصمود في بيروت عبر النشرة اليومية التي كان ينشرها بالمشاركة مع الشاعر "معين بسيسو"، ورفض الخروج من بيروت في أول الأمر لكن مع زيادة الضغط أضطر إلى الرحيل لاستكمال مشواره في ظل المنفى.
 
باريس التي كانت محطته الأكثر هدوءاً في رحلته، قال محمود درويش فى احد لقاءاته عن حياته في باريس:  "أحد أهم أسباب حبي لباريس، أني لا أعرف لغتها، حيث بقيت على هامش الحياة، ولم أندمج في المجتمع، وهو ما أعطاني حرية أكبر، حيث أكون ما أريد، وافعل ما أريد، أجلس في المقهى لا أحد يعرفني، فأصبحت نكرة وهو ما أفتقده فى المدن العربية".
وتعتبر فترة باريس فترة إبداع شعري غزير، ومن أبرز أعماله "لماذا تركت الحصان وحيداً"، "هي أغنية"، "عابرون في كلام عابر"، و"ذاكرة النسيان".
 وهناك حصل على الوسام الفخري، وترجمت أعماله إلى أكثر من عشرين لغة.
ومن أهم المراحل في حياته، تلك المرحلة التي جمعته بالموسيقي اللبناني "مارسيل خليفة"، لفتت التجربة الغنائية معه الإنتباه أكثر لشعر درويش، وساهم ذلك أكتر في انتشار شعره ووصوله إلى شرائح أكبر، وتعتبر صداقتهما من أكثر صداقات درويش خصوصية.
كان درويش شديد الطوق إلى العاطفة التي تجمع بين الرجل والمرأة، ويرى أن أفضل وسيلة لاكتشاف الذات هي علاقته بالمرأة، ولكنه لم يتقبل فكرة المؤسسة، والحياة مع المرأة في ظل استقرار كان أمراً غير ناجح، والسبب هو ما عبر عنه سابقاً، فالإدمان على العزلة والصباح الحر من أي حوار أو نقاش أو مشاركة، هو ما شكله، بالتالي فأي خربشة لهذة العزلة ستؤدي إلى إرتباك في بناءه النفسي، فلم يستطع وضع حدا للعيش وحيداً. وقد تزوج درويش مرتين ولكن انتهت كل من التجربتين بالفشل، كان زواجه الأول في 1973 من "رنا قباني" ابنة أخو الشاعر نزار قباني، ثم في 1984، تزوج من "حياة الهيني" وهي مترجمة مصرية.
كان له فلسفته الخاصة بشأن الإنجاب، حسبما قال المحامي اللبناني غانم زريقات، أحد المقربين من درويش، في الفيلم التسجيلي الذي يوثق حياته باسم "محمود درويش"، حيث رفض أن ينجب أي طفل لأنه لا يريد أن يزداد عدد اللاجئين واحد أخر، بالإضافة إلى اعتقاده بأن حياة المؤسسة الزواجية والأسرة ستأخذه من العمل النضالي والشعر وهو ما لا يقبله.
في عام 1996 سمحت له السلطات بالعبور إلى "الجليلة" لمدة خمسة أيام، تمكن حينها من زيارة عائلته لأول مرة من زمن طويل.
تحدث درويش كثيراً في شعره عن المرض والموت ومن أشهر ما قال بهذا الصدد جداريته. حيث كان يعانى من أمراض القلب، ومن المفارقات الغريبة التي ذكرها الروائي اللبناني "إلياس خوري" أن الطبيب الفرنسي الذي أجرى له عملية في عام 1998، أخبره أنه سيعطيه فقط 10 سنين وكان ذلك على سبيل المزاح، وبالفعل توفي درويش بعد عشر سنين، كان كلما اقترب من الموت كلما انعكس ذلك على نضج وغزارة وعمق أعماله الشعرية.
 
أعتبر شقيقه أحمد درويش، أن أهم زياراته للعائلة كانت زياراته الأخيرة قبل الوفاة، حيث كان يريد أن يعوض كل ما فاته من غياب وانقطاع، ويذكر المقربين من درويش أنه كان على يقين بأنه سيموت، فكتب درويش على قصاصة ورقية "أعلم، في سباقي مع الموت هذه المرة، أنه سينتصر".
 
ومن "هيوستن" الواقعة في تكساس، الولايات المتحدة، حيث أجرى عملية جراحية، تناقلت كل وسائل الإعلام بكل أسى وحزن خبر وفاة الشاعر المناضل محمود درويش في التاسع من أغسطس بالعالم 2002م، ولكن بقي نضاله وأشعاره تبث أرواحًا من المقاومة وحب تراب الوطن، وسيظل من أهم قامات الشعر العربي الحديث، الشعر الذي وصفه درويش "الشعر لعبة خطرة لأنها قد تدفع الناس إلى العثور على تعويض ."
"  منكم دبابة آخرى- ومنا حجر
منكم قنبلة الغاز - ومنا المطر
وعلينا ما عليكم من سماء وهواء
فخذوا حصتكم من دمنا وانصرفوا
وادخلوا حفل عشاء راقص.. وانصرفوا
وعلينا، نحن، أن نحرس ورد الشهداء
وعلينا، نحن، أن نحيا كما نحن نشاء".
 
التعليقات
press-day.png