رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

د. منار الطنطاوي زوجة الصحفي المعتقل هشام جعفر تكتب عن معاناة عام من اعتقاله: يقتلني الإحساس بالعجز.. تذكروه

هشام جعفر و منار الطنطاوي
هشام جعفر و منار الطنطاوي

أجلس فى قاعة الزيارة غير النظيفة والتى تفوح فيها رائحة الظلم والقهر والفرح والحزن. يقتلنى الإحساس بالعجز

تحدثني نفسي خلال الزيارة «أيتها الدولة الفاجرة الظالمة كيف تفعلين ذلك بأخلص الناس ؟!».. فيرد يوصينى بحب الوطن 

لا أعلق أملا على العفو و لكن أتمناه.. أكره هذا الأسلوب واضطر للجوء إليه .. أفعل عكس قناعاتى لأننى لم أجد سبيلا غيره 

يتحدث الناس عن إرتفاع الاسعار وسوء الأحوال فلا أهتم.. فالدولة تستنزفنى وتستنزف مجهودى ومالى وأحلامى طوال عام كامل

 

تختلف المشاعر وطبيعة المعاناة طوال عام من اعتقال هشام جعفر: فمن مشاعر الغضب والكره للظلم الذى وقع لنا ومعاناة البحث عن المختفى قسريا إلى معاناة الإهمال الطبى المتعمد ومنع العلاج وظروف الحبس السيئة فى سجن سىء السمعة  يعرف  بالمقبرة.

لكم أن تتخيلوا شعور أسرة عندما تبحث عن معلومات عن هذا السجن وتكتشف أن من يتم اعتقالهم فيه - خاصة من المرضى-   مصيرهم الموت ،  فهو سجن للموت البطيء ، فحتى لا تلطخ الدولة يدها بالدماء وتهدف إلى أن  تتخلص من معارضيها بالموت البطىء و إهمال العلاج المتعمد.

لم يكن همنا كأسرته المطالبة بالإفراج عنه قدر ما كان مطلبنا هو علاجه ونقله من هذه المقبرة. شعور القلق يتبدل بفرحة لانتقاله إلى عنبر المعتقلين بقصر العينى للعلاج ولكن لا تدوم الفرحة الا قليلا إذ يظل ليعانى - بعد هذا الانتقال - من الاهمال الطبى وعدم تلقى جرعات علاج مناسبة لظروف مرضه. لتبدأ معاناة جديدة فى هذا العنبر من رفض الزيارات ومنع دخول علاج وملابس وعدم حضور عربة الترحيلات ليتمكن من اجراء الفحوصات المطلوبة. يتم السماح طوال هذه الاشهر الخمس بثلاث زيارات فقط من اصل عشرين زيارة وهى حق المحبوس احتياطيا. فى كل زيارة منهم يقتلنا مشاهدة نحول جسده وشحوب وجهه ومحاولته الدائمة التظاهر بالعافية. يهرب النوم من أعيننا ونعلم جيدا ما يكابده ونحن لا نستطيع ان نفعل شيئا من أجله إلا الاستمرار في تقديم الشكاوى للجهات المختصة و لا تستجيب الداخلية.

يتم نقله من العنبر بتقرير طبى مزور يدعى تحسن حالته وإتمامه علاجه ويوصى بعودته لمقبرة العقرب, ليظهر الله الحق فى جلسة التجديد له امام الجميع وهو ممسك بقسطرة طبية.  ويتجلى الظلم البين عندما لا يجد القاضى ما يدينه به فينظر اليه - وهو بالقسطرة الطبية - و يحكم بتجديد حبسه 45 يوما.

يتم نقله بعد الجلسة بأسبوع إلى مستشفى ليمان طره لسوء حالته الصحية وهنا تبدأ معاناه أخرى وهي عدم توافر العلاج له بالمستشفى، وعدم اجراء أي فحوصات طبية إلى جانب معاناة الزيارة. 

أجلس فى قاعة الزيارة غير النظيفة والتى تفوح فيها رائحة الظلم والقهر والفرح والحزن. يقتلنى الإحساس بالعجز.. يصيبنى الألم من رؤية المرضى ممن بترت أحد أطرافهم وهم على ذمة الحبس الإحتياطى.. يدمرنى رؤية جيل يسعد بهذة الزيارة الكريهه وهم يلعبون وسعداء لانه سوف يلقون آبائهم .

شعور مزدوج من الحزن لوجودى ووجوده فى هذا المكان الكريه ومن الفرح لأننى سوف أجلس معه وأراه بدون حائل زجاجى يحول بينى و بينه. أرى نظراته وهو يبحث عنى فى وجوه  الناس. أفرح لرؤيته و أحزن لحالته الصحية و الجسدية.

تتملكنى الفرحة عند ملامسة يديه وأغضب بشدة لرؤيتها مختومة بختم مربع بداخله كلمة نزيل...

أيتها الدولة الفاجرة الظالمة كيف تفعلين ذلك بأخلص الناس وأنقاهم وأكثرهم محبة وإخلاص لك؟! . يدور ذلك بداخلى لأسمعه يوصينى بحب الوطن و ضرورة العمل من أجل إصلاحه, أنظر إليه و أنا أتعجب ! أتعلم ما يدور بداخلى وتخاف ان يتملكنى شعور الكره تجاه هذا الوطن، أم أن محبتك الخالصة له التى لم تنته هى ما دفعتك لقول ذلك!

تنتهى الزيارة سريعا و أبعد عنه وأظل التفت وهو كذلك حتى نغيب عن أعين بعضنا البعض. أخرج وأنا أجر قدماى فلقد حل التعب والإجهاد من التحضير للزيارة وطول فترة الإنتظار لأعود إلى منزلى لأحلم بالزيارة القادمة والتجهيز لها نفسيا وجسمانيا. 

أرى حالى مثل حال الاُلاف غيرى فلا فرق بين أستاذة جامعية أو طبيبة أو مهندسة أو ربه منزل. نفس المعاناة نفس الشعور نفس الأحاسيس. أرى رغباتهن فى أى عفو رئاسى يريحهم من المعاناة. يتعلقون بأمل واهى فى صفح السلطة عن ذوييهم , أعترض على رغباتهن ولكن اضطر أن أسلك نفس سلوكهن فى محاولة الحصول على الإفراج بعفو رئاسى, فقد سدت جميع الأبوب القانونية أمامنا و لم نجد إلا التعلق بالعفو المزعوم الذى يتلاعبون عبره  بمشاعرنا ورغبتنا فى خروج معتقلينا. لم  تهتم السلطة - فى الأربع مرات السابقة من الحديث عن العفو-  بمشاعر الأهالى  بل على  العكس تفرح كلما اصابنا فترات إحباط أو يأس. 

لا أعلق أملا على العفو و لكن أتمناه. أكره هذا الأسلوب واضطر للجوء إليه . أفعل عكس قناعاتى لأننى لم أجد سبيلا غير ذلك فلقد تحول القانون من وسيلة لتحقيق العدالة إلى وسيلة  تفرض علينا الظلم. تحولت الشرطة من خدمة الشعب إلى البطش والتنكيل بالشعب. فماذا أنا فاعلة فى مجتمع هكذا؟ وماذا فى يدى ويد غيرى من الأسر المطحونة التى تمر عليها السنين ونحن نحلم بخروج معتقلينا ويظل حلما لا يتحقق. 

يتحدث الناس عن إرتفاع الاسعار وسوء الأحوال المعيشية فلا أهتم،  فأنا طوال عام كامل وأكثر فى معاناة واستنزاف مادى , فالدولة تستنزفنى وتستنزف مجهودى ومالى وأحلامى فلم يعد لدى أي شعور بفارق.  سوف يدفع المجتمع ثمن هذا الظلم باهظا ولكن إيمانى بالله يؤكد لى أن الفرج لابد أن يأتى يوما ما وسيقتص لنا الله ممن ظلمنا و قتل أحلامنا وحرمنا من أحب الناس  إلينا .

تذكروا هشام جعفر وكل المعتقلين ظلما فالسجن ليس الأصعب على السجين ولكن نسيانه.

التعليقات
press-day.png