رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

بالفيديو والصور.. هنا كان يعيش مجدي مكين.. جولة داخل حارة ومنزل «قتيل الأميرية»: الفقير بيتداس في البلد دي

عائلة مجدي مكين "قتيل الأميرية"
عائلة مجدي مكين "قتيل الأميرية"

شقة 40 مترا حوائطها متهالكة وغرفة نوم اقتسمها مع حماريه.. وثلاجة بابها مكسور وحمام بلا إضاءة وسقف ينشع

 شقيقته: لو بيتاجر في المخدرات كان بان على الحصيرة المقطعة والسقف الخربان ولا دفع الديون اللي عليه

زوجته: ساعات كنا بنبات من غير عشا عشان يأكل الحمار ويقول ده بهيم أخرس مابيتكلمش أنا أصبر هو مايصبرش

تصوير/ محمد فوزي

 

ربما لم يتصور مجدي مكين بائع السمك يومًا أن يتم قتله بهذه الطريقة، بعد أن اختار ككل أبناء حيه أن يمشي بجوار حوائط حارته الضيقة التي بالكاد تسع عربته الكارو حين يعود لمنزله ليلًا منهكًا، كان مكين بحس مصري فقير يتجنب المرور من أمام قسم الشرطة أو التعامل مع ضباطها ولو للشكوى من حاله.. فتحمل الفقر، ودفع ثمنه تعذيبًا.

ونحن في الطريق إلى منزل الضحية، كنا على موعد مع «مكين آخر»، فعلى عتبات حارة «عتريس» المتفرعة من شارع طلخا بالقصيرين بمنطقة الزاوية الحمراء واجهتنا عربة كارو تنبعث منها رائحة السمك، فيما تعلوها بقايا قشوره، بالكاد تمكنا من العبور بجوارها، واستقبلنا سائقها بابتسامة منكسرة قائلًا: «اتفضلوا».

من حارة ضيقة إلى أخرى أشد ضيقًا، كان دليلنا إلى بيت قتيل الأميرية عدد قليل من المعزين يجلسون على كراسي حديدية في مواجهة باب حديدي صدىء، منه دخلنا إلى عالمه.. هنا كان يعيش مجدي مكين.

شقة صغيرة لا تتعدى مساحتها أربعين مترًا حوائطها متهالكة بالطابق الأرضي، ثلاث كنبات «بلدي» هي أول ما يواجهك عند دخولك، جمعت والدته وزوجته وابنته مع عشر من سيدات العائلة والجيران، في صالة ثلاثة أمتار في مترين ونصف. هنا عاش مواطن تحمل كل آثام سياسات الحكومة، وفي النهاية دفع حياته ثمنًا لجرائم الأمن الذي يحميها.

ومثلما طارده الفقر في حياته، كان تشويه السمعة على يد المتهم بقتله في انتظاره بعد وفاته. تقول رواية الداخلية: «كان يحمل ألفي قرص ترامادول»، أما المشهد داخل منزله فلا يوحي بأنه امتلك يومًا قوت يومه التالي. تقول زوجته فايزة: «أقسم بالله في أيام بننام من غير عشا».

«حالته تغم»، ردت شقيقة الضحية على اتهام الداخلية له بالتجارة في المخدرات، واصطحبتنا في جولة بالمنزل. حوائط متهالكة، وغرفتان تم تقسيمهما إلى أربعة أقسام، الأولى ضمت فقط سريره، وقسمها جدارا لتوفير مكان لمبيت حماريه، أما الغرفة الثانية فتم تقسيمها بنفس الطريقة إلى جزأين يفصل بينهما دولاب الأول يضم سرير آخر بجواره غسالة ملابس عادية، والثاني مطبخ قديم وثلاجة بابها مكسور يلتصق به  حمام بسقف تنشع منه المياة، ويضيء المكان كله لمبة واحدة يتم نقلها من مكان لآخر  بسلك في نهايته «فيشة». تقول شقيقته: «لو بيتاجر في المخدرات كان عيشته هتبقى كدة، كان بان على الحصيرة المقطعة والسقف الخربان ولا كان دفع الديون اللي عليه». وتكمل ابنته وهي تشير إلى السقف: «بص لمنظر السقف كان بيّض كان عدّل الكهربا كان صلّح التلاجة»، وتتابع: «وكان حامد ربنا».

دفع مجدي مكين ثمن الأزمة الاقتصادية، وارتفاع أسعار الخدمات الحكومية ديونًا متراكمة،«علينا 8000 جنيه ميه و4000 غاز و3000 نور، كل ما ييجي الراجل ياخدهم يقوله ياخويا معناش حاجة» هكذا حصرت والدته لنا الديون. 

تكمل زوجة أخيه المشهد: «إحنا بياعين سمك على الأرصفة ياريتنا عندنا محلات حتى»، وتتابع: «كان بيصحى 6 الصبح يجيب نقلتين سمك ويسرح بيهم ويرجع عالمغرب أو العشا  بـ50 ولا 60 جنيه، وساعات آخر النهار تجيله نقلة تراب ولا حاجة، واهو كان راضي برزقه وبيرضى بأي حاجة».

ككل أصحاب الكارو، كان مجدي يهتم بحماريه  أكثر مما يهتم  بأسرته، فهما مصدر دخله، ودائمًا لهما الأولوية، فكما اقتطع جزءَ من حجرته لمبيتهما، كان الجانب الأكبر من دخله مخصص لإطعامهما، توضح زوجته: «أقسم بالله ساعات كنا بنبات من غير عشا عشان يأكل الحمار، ويقول ده بهيم أخرس مابيتكلمش، أنا أصبر هو مايصبرش»، وتتابع: «كان بيأكله وهو ماياكلش ويقول الحمد لله».

نظرة السلطة له، وتعاملها مع طبقته، تظهر في كل شيء، من صحوه صباحًا للبحث عن أكل عيش لا يكفيه، وانتهاء بمشهد وفاته عندما استكثر عليه الضابط كلمة «اعتبرني أبوك»، ربما لو كان غنيًا، أو صاحب سلطة، لتوقف الضابط كثيرًا قبل أن يعتدي عليه. تشرح زوجته حالته بعد وفاته نتيجة التعذيب: «افتحوا التربة وشوفوا حالته عاملينه زي الكفتة، كأنه جاب مخرطة وخرطه، هو عشان سلطة أبوه يقطع في الناس كدة». 

«هو لو بيبيع مخدرات هيفرده على العربية الكارو ولا هيخبيه؟» كان رد والدته الأخير على  ما تروجه الداخلية ضده، وتتابع باكية: «كان طالع يشوف رزقه يا عيني الغلبان المسكين، طب يحبسه ومايقتلوش، ربنا يسامحه، دخلت عليه وهو بيغسله كنت هتجنن، مايستاهلش ده كله، مايستاهلش اللي عمله فيه، منه لربنا يتصرف فيه، يتصرف فيه ربنا».

وبعد أكثر من ثلاث ساعات، انصرفنا من المكان، وعبارة زوجته الأخيرة تتردد في آذاننا، ملخصة قصة حياة وموت مجدي مكين، ضحية التعذيب في قسم الأميرية، «الفقير بيتداس في البلد دي».

التعليقات
press-day.png