رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

نعم.. أنا مختونه.. (قصة قصيرة) لـ «إيمان البصيلى»

في لحظة من لحظات اللاوعى اليومى، أتذكرها دائمًا، أهرب منها، أئدها في مجاهل الذاكرة، ولكنها بألف روح، تعود دائمًا لتذكرنى بذلك الألم البعيد، تلك اللحظة التي أزهقت فيها روحى منذ زمن طويل، يومها توقف قلبي، وهامت روحى في صرخة مدوية سمعها الحى بأكمله، صرخة لم تشفع لي بالخلاص، ولم تمكننى من الهرب، عشرون عاما مرت ولم أنساها يومًا، كلما يأتى ذكر الموضوع تدب فيها الروح ويعود خنجرها ليقطعنى من جديد، أتجاهل الأمر في البداية وأتقن تمثيل نسيانه، ولكنه يعود لزيارتى بعدما ينام الجميع، فأصرخ مجددًا وأحاول الخلاص مجددًا، وما من سبيل.

لا تعرف عائلتى سر صراخى الدائم ولكنهم بالتأكيد لا يدركون بشاعة ما فعلوه بي ربما كنت في السابعة من عمرى، في يوم شديد الحرارة، فضل الجميع النوم في المنزل وهم يتصببون عرقا، الا أنا فلسبب لا أعلمه سحبتنى أمى من يدى وقادتنى إلى الحمام، كان مختلفا بعض الشيء، أنواع مختلفة من الصابون والروائح العطرية، ليفة جديدة، وملابس ناصعة البياض.

ـ هل سيأتى العيد اليوم؟

ـ نعم.

ـ ولكنه كان هنا قريبًا!

ـ كفا اسئلة قلت سيأتى العيد إذن سيأتى العيد.

لم أشعر بيد أمى على جسدى كما شعرت بها ذلك اليوم، كانت حانية دافئة وكأنها تودعنى، لم أعرف لما نظرت في عينيها وهي تبكى شيئا لا أعرفه، لم أسأل عنه، ولكننى لازلت أشعر به كلما سالت الدموع على خدى، وجع لا أعرف مصدره، خوف لا أتمكن من الخلاص منه، رثاء لا أعرف مبتغاه.

وجهًا في الثلاثين من عمره، أعرفه جيدًا، أذهب اليه مرة كل شتاء عندما تحل علىّ لعنة التهاب اللوزتين، هو نفسه من قام باسئصالهما ليّ العام الماضي، ماذا دهاه ليأتى إلى حجرتى، نحن في الصيف وأنا بخير! الجميع يقترب يداعبوننى يعطوننى بعض الحلوى وأنا معلقة بيديه وسكينة اللامع. ماذا؟

ـ لا شيء. ما اسمك؟

ـ أنت تعرفنى جيدًا.

يضحك الجميع بينما تشب نار في جسدى، قيود أدمت اطرافى، صراخ يشق صدرى وينتزع الحياة منه، قهر لم أذق مراته قبل ذلك اليوم، ذل وعار يزحف إلىّ وأنا أراه يمسح أثار دمائي ببياض فستانى، ألملم ما تبقي منى بملائة سريري، ادفن وجهى الصغير بكفى وابتلع دموعى فتكون وقودًا لنارى، يشتعل الانتقام داخلى فأرفع خصرى لأستقيم فينفجر الدم منى وتزوغ عينى في الوجوه المبتسمة حولى. أحدهم يحاول دس قطعة حلوى في فمى فتسقطنى مرارة عارها مغشيًا علىّ.

نمت كما لم أنم من قبل، عشرون عاما نمتها كى أنسي شعور القهر والعار هذا، عشرون عامًا وأنا أرفض تذكره وألقى به في غياهب ذاكرتى، لم أسأل، لم أعرف، لم أبحث، لم أناقش، كبرت يا أمى وأنا لا اعرف سر فعلتكم، ولا أريد، كبرت وأنا أهرب من أى نقاش يذكرنى بفعلتكم، ولا أريد، كبرت وأنا أهرب من صديقاتى كلما وجهن إلىّ هذا السؤال؟ كبرت وكبرت معى كلمات لماذا، وماذا كان لو لم يكن؟ كبرت ومازالت الطفلة داخلى تصرخ وتكره الحلوى، كبرت وحفرت دموعك اخدودًا على خدى أتحراه كلما صرخ القهر داخلى وفاضت روحى بعارى، شرف! أى شرف هذا الذي وأدتمونى به! أتعلمين يا أمى أننى اليوم فقط في عامى التاسع بعد العشرين علمت أنا ما قتلتموه داخلى هو رغبتى، أنكم زرعتم داخلى ثلجًا لا يذوب، قطعًا لا تعرفى، ولن تعرفى، فأنت لا تعرفين أننى منذ ذلك اليوم وأنا أعتبرهذا الجزء من جسدى لا يخصنى ولا أعرف عنه شيء، لن تعرفى، فأنا دائمًا سأهرب من البوح وأوارى دمعى، ولكن أحدهم سيخبرك يومًا، ولن تأتى إلىّ بالحلوى، فلن يكون هناك وقت للحلوى والضحك، وسنى سكينك فربما احتجتى للمس جسدى مرة أخرى قبل وداعه.

التعليقات
press-day.png