رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

محمد أحمد فؤاد يكتب: ضبط وإحضار المسيح! (قصة قصيرة)

محمد أحمد فؤاد
محمد أحمد فؤاد
 
شعر الرائد/ ص بشئ من الضيق والعصبية، كالعادة بفعل طول ساعات خدمته اليومية أمام مدخل الدير العتيق في سيناء.. انتصف النهار، وماتزال الحركة الرتيبة للأحداث تبعث على الملل.. سيف الوقت يمر ببطئ شديد على هذا اليوم الدافئ فيذبحه لتخضب ألوانه مشهد السحب الهاربة في سماء لا نهائية تحملها هذه القمم الشاهقة.. تيبست عضلات الضابط الشاب المفتولة بفعل جلسته الطويلة أمام الحاجز الأمني عند مدخل الدير، محل خدمته في قطاع الأمن المختص بالبحث في هويات الزوار الأجانب والمصريين، وكذا كل المترددين على المكان من الأعراب البدو والسكان المقيمين بداعي العمل، وكذلك قاطني الدير من قساوسة ورهبان أغلبهم من اليونان الأرثوذكس...
قرر الرائد/ ص فجأة أن يقوم بجولة قصيرة في محاولة لإستعادة نشاطه الذي تبدد من فرط جلسته الطويلة واستسلامه لمطالعة رسائله الخاصة على هاتفه الجوال الثمين وما به من وسائل تواصل وتسلية لا علاقة لها بالمكان ولا قدسيته أو حتى جمال الطبيعة من حوله..  تبادر إلى ذهنه أنه يمضي الشهر السادس من الخدمة هنا، وهو حتى الأن لم يدلف لداخل أسوار الدير ولو لمرة واحدة..! كيف هذا.. وما هذا الأمر العجيب الذي يدفع المئات، بل الآلاف من الزائرين للوصول إلى هذا المكان النائي يومياً لزيارته والتبرك به..؟  لابد وأن في الأمر شئ ما حرك داخله هاجس الشك المتعارف عليه لدى رجل الأمن.. لذا قرر الرائد/ ص إكتشافه على الفور بعد أن داهمته روح الفضول واستثارت لديه شهية المعرفة بما هو غامض..
 كعادته، تمطى الرائد/ ص في زهو وخيلاء لا يتناسبان مع قدراته الجسدية المحدودة.. تدلى من جانب سرواله الأيسر جهاز لاسلكي بعيد المدى وعلى الجانب الأخر يتدلى سلاحه الناري الخاص من طراز هِكلر عيار 09 مليمتر ألماني الصنع..  سار الرائد/ ص عبر الممر الرملي الطويل المؤدي للدير وقد أشعل سيجارة من نوع روثمانز الفاخر، كان قد حصل عليها كهدية من زميله الذي يعمل على المنفذ الحدودي حيث الحياة أكثر إثارة ومتعة.. أحس برعدة تسري في جسده مع نسمات باردة معطرة برائحة نبتات الحبق والزعتر البرية التي تنتشر في الربوع المحيطة في هذا الوقت من العام بعد سقوط الأمطار.. طالع الرائد/ ص الجبال الشاهقة من حوله، ولفت نظره وجود صلبان خشبية مثبتة إلى بعض القمم، الأمر الذي استدعى انتباهه ثم دهشته حيث ظن بفطرته البوليسية أنها قد تكون نوع من أعمال التبشير يقوم به رهبان الدير لتنصير الأعراب من البدو ساكني المنطقة..  إزدادت حالة التوجس لديه حين قابل في طريقه أحد الرهبان وهو يسير وخلفه مجموعة من أطفال البدو يحملون أوراق وأقلام وكأنهم ذاهبون إلى حلقة علم أو فصل دراسي.. عند هذا الحد ترسخت لديه فكرة معينة مفادها أن هناك أشياء تدور في الخفاء في هذا المكان ولابد له من اكتشافها..  وإلا ما هي فائدة تواجده في هذا المكان..؟ فسجيته ودراساته الأمنية تقول بأنه لا مكان على وجه الأرض بدون جريمة، ودائرة الاشتباه لابد وأن تتسع للجميع..!  واسترسل في أفكاره أثناء السير.. البدو قوم غامضون، لهم عالمهم الخاص البعيد عن دوائر القانون والحكومات.. لهم مجالسهم العرفية وهم يكرهون أي تضييق على طموحاتهم وأعمالهم، ولا يقبلون محاولات الغير لفرض واقع جديد عليهم حتى لو كانت لديهم من وراء هذا استفادة ومنفعة..
وصل الرائد/ ص لبوابة الدير.. كان الشاب موسى أحد خدام الدير يجلس في كسل على المصطبة الحجرية وهو يدخن نبات "الخُضري" كما يطلق عليه البدو، وهو نبات ذو أوراق تشبه التبغ يقوم فقراء البدو بتجفيفها وعمل لفائف منها لتدخينها.. هي توفر لهم سعر شراء الدخان من المدينة نظراً لإرتفاع ثمنه، وهي أيضاً في نظرهم أقل ضرراً من السجائر لأنها لا تحوي إضافات مضرة كالقطران..  ما إن وصلت رائحة دخان نبات "الخُضري" لأنف الرائد/ ص شديد الحساسية حتى تبدلت ملامحه وصاح بقسوة في الشاب موسى: بتدخن بانجو في الدير يا إبن ال.....!   ابتسم موسى ورد بهدوء وأدب: لا يا باشا، ده مش بانجو.. ده دخان خُضري ريحته بس زي البانجو لكنه مش مخدرات.. وأضاف مازحاً: تحب تجرب يا باشا..؟
وهنا إغتاظ الرائد/ ص ظنناً منه أن الشاب البدوي يتطاول عليه، فتقدم منه وأمسكه من ملابسه بشكل مهين قائلاً: أنا بقى حأبقى أعرفك تهزر تاني إزاي يا حيليتها.. إمتقع وجه موسى وغضب من الإهانة، فهو لم يقصد هذا ولم يقل إلا الحقيقة، والضابط ربما لا يعرف فعلاً حقيقة هذا النبات..
قام الرائد/ ص بسحب موسى من ملابسه حتى حجرة كبير أساقفة الدير في الجزء العلوي من الحصن المحيط بالكنيسة الرئيسية داخل الدير.. دفع الرائد/ ص باب الحجرة بقوة ودخل دون إذن.. أحس برعدة أخرى حين لم يكترث الأب المقدس الجالس داخل الحجرة بفعلته، ونظر إليه مبتسماً داعياً إياه للجلوس..  قال الأب باولو بهدوء وبلغة عربية سليمة لا تتوافق مع هيئته اليونانية الواضحة من ملامحه الأوروبية وزي الرهبان اليونان الأرثوذوكس: تفضل سيادتك، أنا سعدت بزيارتك وأتمنى أن تكون بخير؟  كان وقع كلمات الأب باولو كالسحر على الرائد/ ص ، حتى أن الصمت احتواه وجلس في سكون داخل الحجرة الضيقة ذات رائحة البخور العطري المميزة، وقد زالت عنه تلك النزعة العدوانية فجأة..  وقال في تؤدة: ينفع كده..؟ أول مرة أدخل فيها عندكم ألاقي واحد قاعد يدخن مخدرات على الباب، وكمان يكذبني ويقول دي مش مخدرات..  ده إحنا إتعلمناها في سنة أولى حتى..!  إبتسم الأب باولو وطلب من الرائد/ ص أن يصرف الشاب موسى ليعد بعض الشاي لهما بينما يقوم الأب المقدس بشرح المسالة للرائد/ ص، وأن يصحبه أيضاً في جولة داخل الدير ليتعرف على تاريخه ومقتنياته الثمينة وطريقة الحياة هناك..  لا يدري الرائد/ ص لماذا اقتنع بحديث الأب باولو وامتثل لرغبته دون جدال.. هل لهذا الرجل قدرات سحرية خاصة تملكته وجردته من سطوته..؟ لا يدري، لكنه ترك الشاب موسى ليذهب وجلس في مواجهة الأب المقدس في خنوع لا يتناسب  وشخصيته.. حتى أنه تشكك في أن نظرات الأب باولو قد سلبته إرادته..  بادره الأب باولو بعدة اسئلة عن محل ميلاده وسكنه دراسته وسنة تخرجه، وأساتذته ورؤسائه، حتى أن ص إندهش من معرفة الرجل الغزيرة وعلاقاته المتشعبة.. كيف لرجل دين كهل يقطن هذا المكان النائي أن تكون له تلك المساحة من سعة الاطلاع..؟ وكأن الأب باولو أحس بما يدور في مخيلة الضابط الشاب، فقال له: لا تندهش من أسئلتي، فأنا هنا منذ سنوات طويلة حافظت فيها على علاقات المودة مع كل من دخل هذا المكان المقدس.. تماماً كأسوار هذا الحصن، أختزن من أسرار التاريخ والمعرفة ما قد يدهشك.. تعالى لنقوم بجولة سريعة أعرفك بها على المكان..
كالمسحور قام الرائد/ ص في صحبة الأب باولو ونزلا إلى الكنيسة والبئر وشجرة العليقة المقدسة ومتحف المقتنيات الثمينة.. وأثناء سيرهم، توقف الرائد/ ص مذهولاً أمام أحد الأيقونات الثمينة داخل كنيسة الدير وترجع للقرن السادس الميلادي ويتمثل فيها السيد المسيح بنظراته الحانية والثاقبة في نفس الوقت، وحول رأسه هالة من الضوء.. سأل الرائد/ ص الأب باولو: من هذا الشخص..؟  فقال له إنه المسيح وهذه الأيقونة النادرة إسمها "المسيح الضابط الكل" وتلك الكتابة اليونانية على الأيقونة تعني "محب البشر" .. فتسائل الرائد/ ص بشئ من التهكم: يعني أيه ضابط الكل..؟ هو كان في ضباط على أيامهم..؟  ابتسم الأب باولو قائلاً: المعنى يحوي الطبيعة الروحية والإنسانية للمسيح ولا علاقة له بما تفكر فيه.. لكن رداً على سؤالك، بالطبع كان هناك ضباط وجنود في كل العصور ومنذ نشأة المجتمعات الأولى..  حاول الأب المقدس أن يستثير شهية الرائد/ ص ببعض  القصص عن تاريخ الدير، لكن الأخير رفض أن يستمع إلى المزيد من الحكاوي بدعوى أنه لا وقت لديه، لكنه شكر الأب المقدس على كل حال وجلسوا سوياً على المصطبة الحجرية أمام متحف المقتنيات الثمينة وقد تدلت أمامهم ثمار البرتقال والنارنج الخضراء من الأشجار المحيطة بالدرج المؤدي لمدخل المتحف.. سأل الرائد/ ص: هل هناك وسائل تأمين كافية لمقتنيات الدير من الذهب والفضة وغيرها من الأغراض الثمينة؟ يبدو أن الأمر خطير، حيث أن أي هجوم محتمل على الدير قد يجرده من ثروته التي يأتي المئات من الزوار لرؤيتها من كافة الأصقاع..!  إبتسم الأب باولو وقال: منذ بناء الكنيسة في القرن الرابع واكتمال بناء الدير بواسطة جوستانيان الإمبراطور الروماني في القرن السادس ولم تنقطع الهجمات التي استهدفت الدير.. لكن الله يرعى المكان بفضله ونعمته طالما لم تنقطع هنا الصلاة والعبادة.. فهنا يا بُني كان لقاء الله الأول مع الإنسان.. وهنا رأى موسى المعجزة الأولى وتسلم ألواح العهد.. فمن ذا الذي يستطيع أن يقهر قدرات الله وأن يتجاسر على قداسة الأنبياء والرسل..؟ كل الحكام على مر العصور قدموا لنا الدعم والحماية، لذا شعرنا دائماً بالأمان، وهو شعور ربما لن يفارق هذه الأرض طالما هناك إيمان عميق بها وحرص على وحدتها وقدسيتها وطهارتها..
أحس الرائد/ ص أنه كالمسحور من وقع حديث الأب باولو الدافئ عن المكان وقداسته، وشعر بأنه يريد أن يستمع إلى المزيد عن أسرار المكان..  وكأن الأب باولو يقرأ أفكاره، فإسترسل قائلاً: نحن نواصل الليل بالنهار في هذا المكان بين عمل وعبادة ودراسة وتتنقيب وترميم وتطوير.. وكما ترى، معظمنا شيوخ ومازلنا نعمل، كل منا يعرف دوره جيداً ويتقنه.. هذا الهدوء يمنحنا نعمة التركيز وينعم علينا بالبركة.. فالزرع مثمر والماء عذب والأرض سخية والأجواء رائعة كما ترى.. وبشئ من النظام والاحترام تكون الحياة في تلك البقعة النائية وكأنها جنة الله على الأرض.. يزورونا هنا الأنبياء، ونراهم في تجليات عظيمة ومعجزات متكررة.. ربما تصادف أحدهم بنفسك يوماً ما إذا ما شعرت بالمحبة تجاه هذا المكان..!  وهنا زالت عن الرائد/ ص تلك النشوة التي صاحبته طوال حديث الأب المقدس، وعادت إليه فجأة روح التوجس.. هل يسخر هذا الرجل مني ومن قدراتي الفكرية..؟ كيف يتجرأ ويقول أنني قد أقابل أشخاص غير موجودين في الحياة..؟ هل يستخف بي إلى هذا الحد..!  وهنا تبدل شعور الرائد/ ص تجاه الحديث وقرر التوقف والخروج فوراً بعد أن وعده الأب باولو بأن يرسل موسى إلى مكتبه ليحقق معه في واقعة تدخين المخدرات التي لم تفلح تفسيراته وشروحه في إقناع الضابط بأنها ليست من النباتات المخدرة...
خرج الرائد/ ص من الباب الضيق في سور الدير الشاهق وقد أحس بأنه عائد من عالم مسحور.. إستقر ذهنه على أن الآباء والرهبان في هذا المكان يمارسون طقوس مريبة ويتسترون على أعمال سرية قد تصل لحد الجريمة في هذا المكان وسيقوم هو بإكتشافها..  أثناء سيره عائداً إلى مقر خدمته.. رأى على البعد من مكانه شاباً وسيماً فارعاً يرتدي عباءة فضفاضة من الكتان ويحتضن كتباً تبدو عتيقة المظهر، ويجلس أمامه أحد الرهبان العجائز في ملابسه السوداء المميزة ويقوم بغسل أرجل الشاب الفارع بالماء.. إندهش الرائد/ ص من هذا المشهد الغريب وأسرع تجاههما، وما إن وصل إليهما حتى إختفى الشاب فجأة وكأنه لم يكن..! وإذا بالراهب جاثياً على ركبتيه يقوم بقطف بعض نبتات الزعتر البري الوارفة، بادره الرائد/ ص قائلاً: إين الشاب الذي كان هنا الأن..؟ فنظر إليه الراهب بدهشة وقال: إي شاب تقصد..؟ لم يكن هنا غيري..؟ إحتقن وجه الرائد/ ص وصاح: هو إنت كمان ناوي تستغفلني زي الواد بتاع الدير..! إنطق حالاً اللي كان واقف معاك ده راح فين.. إنتوا ناويين تجننوني والا ايه..؟  إرتبك الراهب العجوز وقال بتردد: يمكن أنت تخيلت إن في حد هنا.. لكن صدقني أنا وحدي، وأنا دائماً أقوم برعاية تلك النبتة بنفسي وأقطف منها أوراق الزعتر الذي نأكله مع الزيت أثناء الصيام..  لم يقتنع الرائد/ ص بهذا الرد، وقرر إقتياد الراهب العجوز لقسم الشرطة والتحقيق معه..  أمسكه من كتفه بقسوة لا تليق بمكانته، واقتاده أمامه وقال بلهجة غليظة: إنتوا كلكم باين عليكم عصابة وبتشتغلوا في أعمال سُفلية وأنا وراكم لحد ما أخلص الدنيا منكم.. وصلا إلى الحاجز الأمني وكانت دهشة أمناء الشرطة وأفراد الحراسة وكذلك البدو من ملاك أكشاك بيع العاديات والهدايا، وكذلك بعض الأجانب من زوار المكان من هذا المشهد المقزز قد بلغت مداها.. صاح الرائد/ ص في احد أفراد الحراسة: حطه في العربية وإطلع بينا على القسم..!
وهناك في قسم الشرطة كان الأمر أكثر إدهاشاً لزملاء الرائد/ ص.. فسأله أحدهم عن الأمر: فقال بزهو أنه بصدد إكتشاف قضية تبشير في غاية الأهمية، وإنه سوف يتولى أمر البحث والتحقيقات بنفسه.. بالرغم من فداحة الموقف، إلا أن الراهب العجوز لم يتخل عن البشاشة أو الهدوء..  جلس الرائد/ ص إلى مكتبه وأشار للراهب العجوز أن يقف أمامه..  ثم بادره قائلاً: أنا مش هأفتح تحقيق رسمي إلا لو قلت لي الحقيقة عن كل اللي بيجرى في الدير.. وطبعاً أنا ممكن أطلعك براءة من أي قضية لو قولت لي على الحقيقة كلها..  إبتسم الراهب العجوز دون رد فإستشاط الرائد/ ص غضباً، لكنه سرعان ما تمالك نفسه وقال للراهب: من هذا الشاب الذي كنت تقوم بغسل أرجله بالماء ثم إختفى بمجرد ظهوري..؟ هنا قرر الراهب أن يكون على سجيته وخاطب الرائد/ ص قائلاً: إن كنت شاهدت شخصاً ما معى فربما يكون هذا دليل على نقاء سريرتك وصفاء نفسك.. إعتدل ص في جلسته وأحس ببعض الارتياح لتلك الإجابة.. وقال: وكيف هذا..؟ أجاب الراهب العجوز: هناك العديد من الرسل والأنبياء والقديسين مروا بتلك الأرض، وهم يتجلون أحياناً لمن هم عامرة قلوبهم بالخير والمحبة.. فربما يكون من شاهدت هو السيد المسيح بنفسه، وقد زارني وأنا ارعى بنتتي وغمرني بالخير..!  فقال الرائد/ ص: وكيف يظهر ثم يختفي فجأة، ولماذا لم ينتظر حتى أتقدم منه وأتحقق من شخصيته..؟ إبتسم الراهب وقال: ليس لهذا معيار بشري، فالروح المقدسة تسري حولنا دون أن ندري، وقليلون هم من يحظون بنعمة التجلي المقدس.. تماماً كما حدث لك أنت..!  لم تعجب تلك الإجابة الرائد/ ص وظن مجدداً أن الراهب يستخف به كما فعل من قبل الأب باولو، وكذلك الفتى موسى..  وما إن تذكر واقعة التدخين حتى إستشاط غضباً مرة أخرى، وسأل الراهب العجوز بحدة: ماذا تحمل في جيوب معطفك هذا.. إخرج كل ما في جيوبك هنا أمامي..!  إبتلع الراهب العجوز الإهانة، وأخرج من جيبه نسخة من الكتاب المقدس باللغة السريانية القديمة، ومسبحة من الكريستال الأسود مثبت في نهايتها صليب برونزي صغير، وحافظة أوراق من الجلد الرقيق بها بطاقة هوية وبعض الرسائل الخاصة وصورة للقديسة سانت كاترين...  قال الرائد/ ص: هل هذا هو كل ما معك..؟  أومأ الراهب برأسه بعلامة الإيجاب.. وهنا قال الرائد/ ص: يعني مش ناوي تقول لي مين كان معاك..؟  فأجاب الراهب: قلت لك أنه المسيح..  وهنا استدعى الرائد/ ص معاون النيابة، وأمره بفتح محضر للتحقيق مع الراهب بشأن التستر على شخص غامض يدعى السيد المسيح، وحيازة مستندات تحوي طلاسم سحرية بغرض الشعوذة. كما أصدر أوامره بإلقاء القبض على الشاب موسى بتهمة حيازة وتعاطي المخدرات داخل باحة الدير، كما أوصى سيادته بإستدعاء الأب باولو للتحقيق بتهمة التستر على أعمال سحر وشعوذة وتعاطي للمخدرات، وكذالك إخفاء شخصيات غامضة وتضليل الأمن..! 
وما إن انتهى معاون النيابة من كتابة المحضر وهو بين مُصدق ومُكذب.. حتى بادره الرائد/ ص بقراره حبس الراهب العجوز أربعة أيام على ذمة التحقيق، وسرعة ضبط وإحضار شاب وسيم فارع غامض الهيئة، يرتدي عباءة فضفاضة من الكتان وفي حوزته كتباً عتيقة تحوي طلاسم بلغات غير مفهومة، ويعرفه سكان الدير بإسم "المسيح الضابط الكل"..!
إستفاق الرائد/ ص من غفوته أثناء جلوسه أمام الحاجز الأمني عند مدخل الدير العتيق.. حيث أحس بلهيب السيجارة المشتعلة وهي تحرق طرف إصبعه.. فإبتسم لذلك الحلم الذي تملكه واستولى عليه للحظات.. فإعتدل في جلسته وأشعل سيجارة أخرى، وبحركة لا إرادية تحسس سلاحه الميري، ثم عاد لمتابعة رسائله على شاشة هاتفه الجوال الثمين...
النهاية..!   
التعليقات
press-day.png