رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

ياسر سلطان يكتب عن رواية «حافة الكوثر»: يُلّح السؤال.. هل تحولت الثورة إلى جثة هامدة؟

ياسر سلطان
ياسر سلطان

في رواية "حافة الكوثر" الصادرة حديثاً عن الدار المصرية اللبنانية, يبدو الكوثر مكاناً مثالياً للمقيمين فيه, هؤلاء الذين اختاروا بإرادتهم الحرة الابتعاد عن الأحداث والوقائع التي دفعتهم إليه دفعاً. هو أشبه بالوطن "ولا بديل له إلا شوارع لا ترحم ساكنيها". الكوثر هو مصحة للأمراض النفسية يتعايش سكانها مع بعضهم البعض, ويبتكرون أساليبهم الخاصة للتواصل والبقاء. الحضور الطاغي هنا لثورة يناير يؤطر الأحداث ويفرض نفسه على التفاصيل, يستدعي التواريخ القريبة والبعيدة. يقدم لنا الراوي شهادته على ما حدث, ويسرد لنا ألمه الشخصي على ما آلت إليه الأمور. يبدأ تاريخ الراوي مع الكوثر بعد عام على اندلاع الثورة, بعد عام من الحلم والأمل, وينتهي حيث تستقر الثورة الآن في أعماق كل من آمن بها, يتيمة وبائسة.

مساحة الكوثر على صغرها تختصر تفاصيل الوطن وتستوعب سكانه على اختلافهم. هذه الرمزية التي يمثلها المكان تنسحب كذلك على توجهات سكانه وطبائعهم, والعلاقات التي تحكم وجودهم معاً. يمكنك أن تلتقط هذه الرمزية عبر الأحاديث الجانبية بين ساكنيه, في الأسباب التي أتت بكل واحد من هؤلاء إلى هذا المكان, في استسلامهم لأوامر الإدارة, في المشاحنات الهامشية التي تحدث أحياناً فيما بينهم, في هذه الأكاذيب التي يؤمن بها بعضهم ولا يكفون عن ترديدها على مسامع الآخرين.

تقدم لنا الرواية سرداً تفصيلياً لأحوال بطلها عبر هذه المراسلات على فيسبوك مع صديقه (الطاهر يعقوب) , هذا الصديق الذي يبدو أحياناً أشبه بشخصية وهمية اختلقها بطل الرواية ليتحدث, أو ليمارس انطوائه على نحو يبدو أكثر عقلانية له ولنا. يسرد علينا بطل الرواية تاريخه الشخصي وتجربته مع الكوثر. التفاصيل الصغيرة التي يجمعها إلى جوار بعضها البعض تشرح الأحداث وتعطي مبرراً للوقائع. يظهر بعضها كيف تحولت أهداف الثورة وتساؤلاتها العميقة إلى مجرد هذيان يحتفي بالهوامش ويحولها إلى قضايا ملحة. "هل التدخين ينقض الوضوء؟".. يتكرر السؤال ويقفذ أمام بطل الرواية لأول مرة قبل أسبوعين من دخوله الكوثر, ويتردد مرات على مسامعه. تلفت الرواية إلى العلاقة بين الدين والسياسة والفن, هذه العلاقة التي تنفذ إلى سلوك وعقلية المواطن البسيط والمتعلم على حد سواء, لتغلف الزهد بالحمق, والروحانية بالكذب والرياء, هي ليست شيئاً عابراً, هي علاقة مستمرة ولها حضور طاغ وممتد ينعكس على الأحداث والتفاصيل والسلوك الشخصي للأفراد.

يمنح الكوثر رواده مبرراً للتعايش, لكنه رغم ذلك مهدد بالخراب "وأهله قد لا يجدون قريباً من يحنو عليهم". وهو لا يختلف كثيراً عن خارجه, فالجميع مدفوعين إلى تقبل بؤسهم, ومرغمين على التعايش مع هذا الشعور بقلة الحيلة "مافيش بيع ولا شرا, واذا جه زبون تلاقيه بيديك عشرين جنيه عشان تديله حزمتين بجنيه ومعاهم الباقي, منين بس؟!".. يتسائل بائع الجرجير وهو ينصت كالباقين إلى الأكاذيب التي يحشون بها رؤوسنا ليل نهار عبر وسائل الإعلام. تطرح الرواية العديد من التساؤلات, غير أن السؤال الأبرز الذي يتردد خفية بين أسطرها, ويتوارى خجلاً بين تفاصيلها هو عن حال الثورة وما آلت إليه.. هل تحولت الثورة إلى جثة هامدة نجتر ذكرياتنا معها وخلالها مدفوعين بتلك المشاعر العليلة من العجز واليأس معاً؟ هل تحول ذلك الماضي القريب الذي أضاء نفوسنا بالأمل والطمئنينة إلى مجرد حلم, نستيقظ من تأثيره تباعاً على وقع حاضر نجد أنفسنا مرغمين على تقبله؟ وهل أصبح خيارنا الآن أن نتعايش مع هذا الواقع, أو أن خوض تجربة الانفصال عنه مستغرقين في حالة من السلبية والوحدة.. إنها الوحدة التي تقودنا إلى طرق أبواب الكوثر, لعلنا نجد فيه ما يريح ضمائرنا, ويبعث الطئنينة في أفئدتنا

 

التعليقات
press-day.png