رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

د. حازم حسني يكتب: الطريق إلى مصر ما بعد السيسي

حازم حسني
حازم حسني
 
كنت أنوي مد فترة الصمت الاختياري حتى نهاية شهر مارس، حتى أننى لم أعلق على مداخلات السيسى فى لقائه بشباب ما يسمى بالبرنامج الرئاسى ولم أكن أنوى التعليق عليه فى أى وقت، فلم تعد هناك أى فائدة ترجى من إظهار عورات هذا النظام، ومن لم يرها حتى اليوم فلا أمل فى أن يرى فى أى يوم من الأيام
كنت فى حالة صمت اختيارى أستعد خلالها للحديث عن مرحلة ما بعد السيسى، ما ملامحها، وما هو الطريق إليها بعيداً عن أحاديث المراهقة الثورية التى لا تجيد قراءة الواقع البائس الذى أوصلتنا إليه أخطاء ارتكبها الجميع على امتداد أكثر من ست سنوات، لولا أن استفزتنى أحداث ما كنت أحب أن أعيش لأراها تقع بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، ولا بجامعة القاهرة، مما يزيد المشهد كآبة فوق كآبته، وبؤساً فوق بؤسه
حتى فى عهد مبارك الذى ثار عليه المصريون لم نر كل هذا الابتذال، ولا كل هذا الامتهان الفج للقيم الأكاديمية التى تمثلها الجامعة - أو ما بقى منها - وقد كان حرياً بأهلها أن يدافعوا عنها لا أن يستسلموا لما استسلمت له مؤسسات كثيرة نراها تستسلم إعلامياً لمنطق العسكرة، من إعلانات 57357 حتى محطة قطارات أسيوط، مروراً بكل أوجه الحياة المدنية فى مصر
فى صيف 1989 زار حسنى مبارك كليتنا، واجتمع بأساتذتها فى قاعة مغلقة بعد أن أمر الإعلام بمغادرة القاعة ... أذكر أن أحداً منا لم يصفق للرجل وهو يدخل القاعة، لا إهانة ولا تجاهلاً له وإنما تأكيداً على الوقار الأكاديمى الذى احترمه مبارك فلم يبد امتعاضاً طيلة اجتماع امتد لنحو خمس ساعات !
جلس مبارك يومها على المنصة فى ضيافة عميد الكلية وقتها - الدكتور أحمد الغندور رحمه الله - وجلس رئيس الجامعة وقتها - الدكتور محمود نجيب حسنى (رحمه الله) - على المنصة ضيفاً ولم يجرؤ على اغتصاب دور المضيف من عميد الكلية ... لم نر يومها متعهد موالد انتخابية ينظم فعالية تجرى فى الكلية، ولا رأيناه يفرض نفسه عليها فيأمر بإزالة أسماء قادة الكلية من على المنصة كى تخلو له ولقادة القوات المسلحة، ولا رأينا الكلية وقد تحولت لمنصة تروج لأطروحات النظام التى لا علاقة لها بالعلم، ولا هى ترددت يومها فى أرجاء الكلية أصداء هتافات فقدت معناها من كثرة ما أصابها من ابتذال، مثل "تحيا مصر"، ومثل الدعوة للاصطفاف خلف الجيش دونما حق السؤال عن لأين يقودنا هذا الاصطفاف الأعمى !
للحدث وما سبقه تفاصيل كثيرة لا أرغب فى البوح بها على هذه الصفحة احتراماً لنفسى وللكلية وللجامعة وللدولة ولجيشها، لكنها تفاصيل مؤلمة ترسم ملامح التدهور المتسارعة معدلاته فى ظل نظام يتحدث عن هيبة الدولة وكأن مفتاحها هو قانون الصمت و"ما تسمعوش كلام حد غيرى"، لكن هيبة الدولة تضيع وتمحى ملامحها بمثل هذه الممارسات التى تخطت حدود الابتذال الذى أوصل الجيش للاستعانة بمتعهد موالد انتخابية، متنكر فى صورة رئيس جمعية أهلية لا نعرف لها نسباً صريحاً، ظناً منه بأن نجاح الجيش وهيبته يتحققان بحملة علاقات عامة تهدم فى طريقها كل شئ له علاقة بمعانى الحياة وملامحها التى ظلت تقاوم تجاعيد الزمن حتى خلال حكم حسنى مبارك !
رُبَّ ضارة نافعة ... فقد تأكد أن الطريق إلى مصر ما بعد السيسى لا يمكن أن تقوم به مؤسسات خربها حكمه ... الطريق إلى دولة ما بعد السيسى يبدأ بترتيب أوراق العقل بعيداً عن مهاترات الموالد الانتخابية، ولو بجلوس العقلاء معاً فى حدائق أكاديموس التى كان يغرس فيها أفلاطون ومريدوه شتلات ما نبت فى حدائقنا يوماً من قيم أخذت من هذه الحدائق اسمها الذى اشتهرت به قبل أن يأتى عليها ما صار يأخذ فى طريقه كل معانى الحياة السوية فى بلادنا !!
 
التعليقات
press-day.png