رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

حازم حسني يكتب: أخطاء في القياس.. وترحيل للمسؤوليات

حازم حسني
حازم حسني
 
 
عاهدت نفسى على ألا يستغرقنى الرد على ترهات يطلقها أولئك كما يطلقها هؤلاء لإبقائنا دوماً فى حلبة المصارعة بين طرفى الأزمة السياسية فى مصر، وما زلت حريصاً على ما عاهدت عليه نفسى، لذا لن أنجر إلى هذه المساحة التى يريد منا الخصمان أن ننجر إليها ... لكن بعض ما تفوح به قريحة أولئك وهؤلاء إنما يتجاوزهما إلى إطلاق سحب دخان تستهدف حجب العقل المصرى كى لا يراه أحد، وحجب مشاهد المصارعة السقيمة على الحلبة عن العقل المصرى فلا يعود يراها، ولا يعود قادراً على رصد فشل المتصارعَيْن كليهما وعجزهما عن إثبات جدارة أيهما بحكم مصر !!
تبديد سحب الدخان هذه صار من مستلزمات رحلة بحثنا عن مصر ما بعد حكم السيسى، وما بعد حكم الإخوان ... فلا يليق بالعقل المصرى وهو يبحث عن مصر هذه أن يبقى أسير موال المظلومية المدعاة الذى يدندن به نظام الإخوان الذى ذهب، ولا لنفير الوطنية الزائفة الذى يطلقه كل حين نظام لسيسى الذاهب حتماً بعد حين؛ فلا هذا ولا ذاك صارت أنغامه تخاطب ذائقة المصريين الباحثين عن المستقبل لا عن البكاء أمام حوائط الماضى
أتحدث هنا عن السيسى لا عن الجيش المصرى الذى يبقى - شئنا أو أبينا - عنصراً من عناصر معادلات الحكم فى أى دولة، حتى وإن كان هذا الجيش المصرى مدعواً وبقوة لمغادرة معادلات السياسة حفاظاً عليه وعلى كل الدولة المصرية من التصدع والانهيار ... كما أتحدث هنا عن تنظيم "الإخوان" دون غيره من مفردات الإسلام السياسى التى يعانى أغلبها من حالة انعدام وزن فكرى، يختلط فيها الدين بالتاريخ، والشريعة بالسياسة، بحيث صارت تعبر هذه التيارات عن إسلام تاريخى، جوهره إعادة استنساخ واقع انقضت شروط استمراره التاريخى، أكثر من تعبيرها عن إسلام سياسى جوهره - كما يشيع أصحابه - صياغة فكر سياسى بمرجعيات "فكرية" إسلامية تخضع - باعتبارها معطيات فكرية - للتناول العقلى والنقد الموضوعى لمفرداتها مفهومياً وإجرائياً
أكتب هذا كله لأصحح بعض المغالطات التى تنشر فى طريق عقولنا سحب الدخان، ومنها ما نشرته اليوم "الأهرام" القاهرية بقلم رئيس تحريرها ... وأول هذه المغالطات قائم على أخطاء القياس، فإثبات نجاعة أى سياسات عامة لا تقاس بأعداد ضحايا هذه السياسات ! وإذا كان هناك من يسقط من رجال الشرطة والقوات المسلحة (ولا ننسى المدنيين)، ما بين قتيل (نحسبه عند الله شهيداً) وبين جريح، فإن ذلك لا يثبت نجاعة هذه السياسات، ولا هو يبرر الإبقاء عليها أصلاً ولا الثقة فيمن تبناها وأشرف على تنفيذها ! بل إن أى عالم بمواصفات "رجل الدولة" - الذى يتحدث البعض عن مواصفاته بمنتهى الاستخفاف - إنما يدرك العلاقة الطردية بين هذه الأعداد وبين فشل السياسات العامة لمن يعتقدون أنهم رجال دولة !
ثانية المغالطات تتعلق بمحاولات أى نظام حكم بائس ترحيل مسؤولية فشله بعيداً عنه، وإلا فما هو معنى الحديث الممل عن أهل الشر وعن المؤامرات الخارجية، وكأن وظيفة رجل الدولة أن يتعامل فقط مع أهل الخير بعيداً عن أى مؤامرات لم تسلم من أذاها دولة عبر التاريخ؟! ... السؤال الذى طرحه رئيس تحرير الأهرام - وبراءة الأطفال تقطر من قلمه - عن هل ما يحدث فى سيناء هو من صنع أجهزة الدولة أم من صنع الإرهاب، يجرنا إلى طرح أسئلة أخرى من نوعية هل هزيمة 67 هى من صنع حكامنا وقادتنا العسكريين أم من صنع إسرائيل؟!!
سؤال أخير طرحه رئيس تحرير الأهرام،فى نهاية مقاله، وأعتقده السؤال الأهم ونحن نفكر فى تفاصيل خريطة الطريق التى تقودنا إلى مصر ما بعد السيسى، وسؤاله يقول: "إلى متى سنترك الرئيس والجيش يعملان وحدهما لحماية البلاد من الإرهاب ومن أهل الشر فى الخارج وفى الداخل؟" ... أعتقد أن إجابة هذا السؤال، الذى يريد صاحبه ترحيل المسؤولية ونشر سحب الدخان حتى لا يرى المصريون المسؤوول الأول عن الفشل، إنما هى فى سؤال آخر نستلهمه من قلب سؤاله وهو إلى متى سنترك الرئيس والجيش يعملان وحدهما على حل مشاكل مصر الخارجية والداخلية دون مراجعة ودون محاسبة ودون البحث عن بديل لإنقاذ مصر ولإنقاذ المصريين؟!!
ولأن سحب الدخان التى يطلقها السيسى ليست العقبة الوحيدة التى تعترض طريق المستقبل فإن الحديث عن سحب الدخان التى تطلقها جماعة الإخوان بدورها تحتاج إلى كلمة، علها تكون نصيحة يأخذ بها عقلاء الإخوان إن أرادوا، ونأمل ألا يكون عقلاؤهم "راحوا فى الوبا": كفوا عن البكاء على الديمقراطية التى جعلتموها حائط مبكاكم، وتتهمون عنده 30 يونيو بوأد الديمقراطية ... عودوا بذاكرتكم قليلاً إلى الوراء لتتذكروا كيف بدأت مأساة الديمقراطية بعد 25 يناير بتشكيل لجنة البشرى واستفتاء 19 مارس ... حاولوا أن تتصالحوا مع ذاكرة الماضى ومع وميض المستقبل حتى وإن كان البكاء على ألبانكم المسكوبة يشعركم براحة المظلومين الذين لا يصدقون أن أحداً لم يظلمهم لكنهم كانوا أنفسهم يظلمون !!
 
التعليقات
press-day.png