رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

إسماعيل الموجي يكتب من محبسه: الدولة.. والاستثمار فيِ السجون

إسماعيل الموجي
إسماعيل الموجي
في الوقت الذي تحتفي فيه عدد من دول العالم بإغلاقها عدد من السجون الموجودة على أراضيها، وانخفاض معدلات الجريمة بين سكانها، لا يخفي علي أحد نية النظام المعلنة في التوجه إلى إنشاء مراكز اعتقال وتوقيف جديدة، حيث يبدو أنه أحد المشروعات القومية التي يتبناها، في حين أن هذه الدول على موعد لتعلن قريبا أنها خالية من السجون.
وما بين دوافع النظام المعلنة لتبرير تلك السياسة، وما تقدمه المعارضة على أنها الدافع الحقيقة للنظام وراء هذا التوجه، والتي تدور جميعا في فلك البعد السياسي البحت، إلا أنه في ضوء المعايشة داخل السجون طوال ثلاثة أعوام، تبين أن العائد الاقتصادي الذي يحققه رجال النظام، من وجود مثل هذه الكيانات، هي المحرك الأساسي لإنشائها، والتوسع فيها وليس البعد السياسي.
إن السجون عبارة عن إمبراطوريات اقتصادية ضخمة خارج الاقتصاد الرسمي للدولة، وصورة مصغرة من اقتصادها الطفيلي القائم على الجباية، ونموذج للفساد الناتج عن غياب الرقابة، فعشرات الأنشطة الاقتصادية التي تدر ملايين الجنيهات سنويا علي القائمين علي إدارة هذه المنظومة، والتي لا تورد إلي خزينة الدولة، من عوائد عمولات الإسناد المباشر لعمليات توريد السلع الاستهلاكية التي لا تخضع للمناقصات، وهامش ربح يبلغ 30% من سعر بيع السلع للجمهور في الخارج، وإيرادات بيع نسبة من حصص الدقيق المدعم المخصصة للأفران للتجار، وإيرادات الورش الصناعية والمزارع والحرف المهينة، بالإضافة إلي الإتاوات التي تفرض شهريا علي النزلاء، ويتم دفعها بعلب السجائر التي تمثل الغطاء النقدي الرسمي للمعاملات التجارية، ونسبة تفرض علي أصحاب الحرف عند تحويل إيراداتهم إلي أموال نقدية.
إن تجاوزات أفراد الأمن، وسوء استغلال السلطة الممنوحة لهم وفق للقانون، يمكن فهمها في ضوء البعد الاقتصادي، وعدم قصرها على النزعة السلطوية لديهم، حيث أن سياسة تلفيق القضايا للأبرياء، وإضافة تهم أكثر من المرتكبة فعلا، بما يضمن أحكام قضائية أعلي تقضي خلف القضبان، بما يضمن استمرار تدفق الأموال إلى جيوب أفراد المنظومة الأمنية سواء الرتب العليا أو الدنيا.
وتظل السجون صورة فجة للقانون في خدمة الفساد، والقانون ضد القانون؛ فالمعلوم أن هناك لائحة تنظيمية موحدة لإدارة السجون، لكن الواقع أن القانون السائد هو قانون إدارة السجن المتمثلة في رئيس المباحث؛ فعند الانتقال من سجن لآخر ستصدم بكم التباين والاختلاف بين النظام السائد في كلا منهما عن الآخر، بل في السجن ذاته مه تغير رئيس المباحث أو تغير المزاج الشخصي له.
إن لائحة مصلحة السجون؛ والتي تمثل أحد أسرار الأمن القومي التي لا يجوز إطلاع النزلاء عليها، يتم اختزالها في أحد الفقرات الواردة بها وهي "أو ما يتراءى لإدارة السجن" والتي تعطى لهم بعض الصلاحيات المحددة في مجال التأمين وضع دخول مخالفات، إلا أنها تستخدم ذريعة لتحويل السجن إلي أحد الإقطاعيات الخاصة، وتنصيب رئيس المباحث لنفسه حاكما بأمر الله، يحق له المنح والمنع للسلع والأغذية الخاصة بالنزلاء للتضيق علي ذويهم لإجبارهم علي شراء ما يحتاجونه من داخل السجن.
إن قطاع مصلحة السجون يمثل أحد قطاعات الدولة الكثيرة العائمة علي بحر من الفساد، والتي يجب أن تمتد إليها يد الرقابة، لكن هل يؤمن علي وطن يكون المسئولين فيه عن أمنه وحمايته، وتطبيق القانون فيه هم من ينتهكونه من أجل حفنة من الجنيهات قلت أو كثرت.
 
التعليقات
press-day.png