رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

محسن البلاسى يكتب :السيرة المدريدية _المدينة الجامعية (بونويل_لوركا_دالى)

فى عام 1917 ذهب لويس بونويل إلى مدريد مع والده قادما من آراغون للبحث عن مكان للإقامة ليتابع دراسته التى لم يقرر نوعها بعد واخيرا تم تسجيله فى المدينة الجامعية التى حولت مسار بونويل من ذلك الطالب المشاغب الذى لا يعرف ماذا يريد أن يصبح .مؤلف موسيقي أو مهندس زراعى أو عالم حشرات إلى احد اهم مخرجي السينما فى التاريخ .

كانت الحركة الأدبية ناشطة آنذاك فى مدريد وبعدما قرر بونويل دراسة الفلسفة والتاريخ وجد نفسه يذوب فى عروق المقاهى والحانات الأدبية والفنية فى شوارع مدريد.

مرت السنوات المدريدية العاصفة حتى وأصبح بونويل من الرواد الناشطين فى منتدى مقهى بلاتيرياس فى شارع مايور .هذا المقهى السياسى والأدبى الذى لعب دورا هاما ورئيسيا فى حياة مدريد الفكرية فى عشرينات القرن الماضى وندوته السياسية فى ذلك الركن المخصص لها حيث التجمعات الشيوعية والفوضوية والفنية والأدبية التقدمية .فى ذلك المقهى التقى بونويل بالشاعر المجنون بيدرو غارفياس الذى كان من الممكن أن يمضى اسابيع عدة مستغرقا وباحثا فى أحلامه عن وصف ما يضعه فى بيت شعر واحد.

بيدرو الذى هاجر بعد الحرب الأهلية إلى إنجلترا وليس بحوزته كلمة إنجليزية واحدة ويقال أن رجل انجليزى استضافه وكان لا يعرف شيئا عن الأسبانية أيضا ومع ذلك كانا يتحدثان بمنتهى النشاط طوال اليوم ثم هاجر بيدرو إلى المكسيك وعاش فقيرا ومتسولا يتجول بين المقاهى وهو يصرخ بقصائده ..قبل أن يموت بائسا ...

نعود إلى مدريد والمدينة الجامعية وبعد وصول بونويل بعامين جاء ذلك الفتى الأندلسى بصفاء القمر .جاء فدريكو غارثيا لوركا بتوصية من استاذ علم الأجتماع الشهير (فرناندو ريوس) وكان لوركا وقتها قد نشر كتابه

(إنطباعات ومشاهد..

جاء لوركا إلى المدينة الجامعية المدريدية بربطة عنقه المعقودة بإتقان وبتلك النظرة القمرية البراقة والداكنة .إنها النظرة الأندلسية .جاء لدراسة الفلسفة وسرعان ما تخلى عن دروسه وانخرط فى الحياة الأدبية المدريدية .كان لوركا يملك جاذبية فكرية عجز الجميع عن مقاومتها وأولهم لويس بونويل الذى بدأت صداقته مع لوركا منذ لقاؤهما الأول .صداقة قائمة على التناقض بين ذلك الأورغوانى الفظ وذلك الأندلسى الصافى و المغتسل بعصير القمر الفضى

.كانو متلازميين فى المطاعم والمقاهى والحانات يتمشيان دائما فى الحقول التى لا ترى العين نهايتها وراء المدينة الجامعية ومن داخل المدينة الجامعية تلك الغابة الأدبية والفنية المشعة بالضياء كتب رفائيل ألبرتى أنطباعه عن لوركا قائلا : لوركا هذا يتدفق بشحنات من الرقة الكهربائية ويلف مستمعيه بجو من السحر فيأثرهم حين يتحدث أو ينشد الشعر أو يرتجل مشهدا فى مسرحية أو يغنى وهو يعزف على البيانو )

أما بعد وصول بونويل للمدينة الجامعية بثلاث سنوات جاء ذلك الفتى الخجول ذو الصوت الأجش والشعر الطويل ليتخصص فى الفنون الجميلة .وصل الاسطورة الفنية الخالدة سلفادور دالى إلى المدينة الجامعية فى مدريد بزى غريب عبارة عن سترة أمريكية تصل حتى الركبتين وقبعة كبيرة جدا وربطة عنق عريضة حتى ظن الجميع انه يسعى فقط للفت الانتباه بهذا المظهر حتى وصل الأمر إلى تعرضه للشتائم العنيفة بسبب مظهره .لقبوه فى المدينة الجامعية بالرسام التشيكوسلوفاكى لسبب مجهول .ثم أصبح دالى صديقا حميما للوركا وبونويل لكن شغفه بلوركا وشغف لوركا به فاق علاقتهم ببونويل .كان الامر له طبيعته الساحرة ...يحكى انه عندما جلس دالى أمام هيئة إمتحان شفهى صرخ فى وجه لجنة التحكيم قائلا:لا اعترف لأى من الجالسين هنا بالحق فى إمتحانى وقد تسبب هذا فى طرد دالى

طوبى لتلك المنارة المدريدية التى انارت عقل العالم الأدبى والفكرى والفنى فى عشرينات القرن الماضى بشموس خالدة لن تنطفئ

 

التعليقات
press-day.png