رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

«أنا فلليني».. عن أسطورة السينما الذي طوع خياله: عندما تصبح «الأحلام هي الحقيقة الوحيدة » (ريفيو)

فريدريكو فلليني
فريدريكو فلليني
 
حين سُئل فلليني عما إذا كانت حياته سعيدة أم لا قال:" حياتي حافلة، السعادة ليست دائمة ولا سبيل إلى الإمساك بها، وفي واقع الأمر عندما يزداد تشبثنا بها، تبدو على الأرجح أنها تتلاشى. ولا يمكن أن نكون سعداء تمامًا إلا إذا افترضنا أن السعادة ممكنة، وبما أن ذلك مستحيل، فإن عنصرًا من عناصر السعادة لابد أن يكون مفقودًا، وهذا العنصر هو الطمأنينة". هكذا عبر فلليني عن جانب من فلسفته والتي انعكست من خلال كتاب «أنا فلليني» والذي عكس كيف تعامل مع أبطال أفلامه ورفيقة عمره، وعلاقته بأفلامه وتفاصيل حياته.    
فلليني الرجل الذي صنعته أحلامه، وطوع خياله تبعًا لرغباته، فصار خياله هو واقعه الحقيقي الذي يلهمه أفلامه وشخصياته وصنع منه أسطورة في عالم السينما.
 
"الأحلام هي الحقيقة الوحيدة":-
 
فلليني يترك نفسه تمامًا لغريزته، لا يلتزم بنص، ويحرر القصة والشخصيات من اتباع السيناريو بشكل حرفي. يرسم شخصياته على الورق بشكل كاريكاتيري ثم يبحث عن ممثل يطابقها، لا يغفل عن أي تفصيلة في العمل يتوغل في عمق الشخصيات، بدءًا من اللاصقة المرسومة على ملابس الممثل الداخلية حتى آخر مرة مارس فيها الجنس أو آخر حلم رآه في نومه. ما يربطه بالممثلين هي علاقة صداقة أكثر منها علاقة عمل، وهو حريص على الحفاظ على جو من الصفاء النفسي والذهني بين كل أعضاء الفيلم، بداية من البطل ووصولًا إلى الكومبارس.
 
 أفلامه هي أولاده، يشملهم جميعًا بحبه، ومن لم يلق منهم استحسان الجمهور، يكتنفه فلليني بالرعاية حتى يعوضه عن الإحساس بالرفض. 
حبه للطعام وحديثه عنه يمثل جزء من حبه للحياة واستمتاعه بها، كذلك ولعه بالجنس والنساء. أما شخصيات أفلامه فهم أناس حقيقيون في خياله، ما إن ينتهي الفيلم حتى يتركهم يواجهون مصيرهم، ويضع لهم نهايات مفتوحة تمكنهم من حرية الاختيار. الجمهور أيضًا كان شريك في صناعة الفيلم وليس مجرد متلقي، هكذا رآه فلليني وتعامل معه في تقديم أفلام تحترم عقليته وتجعله جزء من حياة الشخصية.
 
علاقته بزوجته ورفيقة عمره جيوليتا فيها نوع من الحب الواقعي، الأقرب إلى حياتنا، يقول: "كنت أبًا بالنسبة لجيوليتا أحيانًا، وكانت هي أمًا بالنسبة لي"، لعبت أيضًا دور "الجنية الطيبة في حياته" بحسب تعبيره، ساندته باستمرار وترى أن الجزء الأهم في حياتها هي أنها "زوجة فريدريكو فلليني". ويصفها هو بأنها كانت بريئة وعذبة وطيبة وواثقة بالآخرين، "كنت أطول منها، وكانت ترفع نظرها إليَ، لا بالمعنى الحسي فقط بل بكل المعاني. ما أثرت فيَ أحد من قبل ذلك التأثير. وأعتقد أنني وقعت جزيئًا في حب خيالي المنعكس في عينيها". كلاهما أجمع أنه لا يتخيل حياته بدون الآخر، ولم يكن ذلك مجرد كلام فجيوليتا رحلت بعد فلليني بخمسة أشهر فقط.
يرتاح فلليني إلى عدم تملك الأشياء، وإلى طرحها قبل أن تؤخذ منه، فكان يحتفظ بأقل الأشياء ويتحاشى تراكمها، وكانت غرفة مكتبه خالية تمامًا من أي مقتنيات للعرض، لكن أكثر ما أثارني في شخصيته هو اعتزازه بكل ما نسميه هامشي، كان يقول:- "أعتقد أني حتى لو عملت فيلما عن كلب أو كرسي لكان سيرة ذاتية إلى حد ما"، حتى أخطاءه احتفى بها، لاعتبارها جزء من تكوينه، ومساهم قوي في تشكيل حياته. يذكر يوم عرض عليه المخرج الشاب -حينها- جويسيب تورناتوري فيلم "سينما باراديسو" كاملا، ليسأله عن رأيه:- "فتذكرت أيامي الأولى، الزمن البعيد، عندما كان مفعما بالقلق والأمل، ورأيت المستقبل في مخرج أصغر مني في السن، وقد نجح فيلمه "سينما باراديسو" نجاحا دوليا، وأخذ الأوسكار، قلت له: "هذه هي لحظتك فاغتنمها، اصنع من الأفلام ما تستطيع، ولا تنتظر الكمال، ينبغي ألا تقع في الخطأ الذي وقعت فيه، وهو تراخي الأعوام بين الأعمال، لقد كنت أعتقد أن عدم صناعة فيلم خير من الشروع في عمل لا أؤمن به تماما، غير أني توصلت إلى رأي مختلف فالمرء يتعلم حتى من صناعة فيلم رديء، وربما يقوده إلى شيء أفضل، ولو عملت أكثر لكان عملي أحسن. إن الخوف من الخطأ عقبة كبيرة، حين تخاف من ذلك تتوقف. إذا كان لا بد من الخطأ، فارتكابه في الفعل خير من ارتكابه في اللافعل".
 
أخيرًا علاقته بروما التي كان كان يرى جيوليتا جزءًا منها أيضًا؛ "وحين أقول إن حياتي ابتدأت في روما، وإنني ولدت هناك، وأنها المكان الوحيد الذي رغبت أن أكون فيه، فإن ذلك كله كان مع جيوليتا. إن جيوليتا جزء من روما، كما هي جزء من عملي، وجزء من حياتي. وقد تسأل جيوليتا أي جزء؟ ولكنّ المرء لا يستطيع أن يجيب عن سؤالٍ كهذا، لأن الجزء يختلف باختلاف الأوقات. وعلى كل حالٍ، إذا كان شيء جزءًا منك فلا يهُم إن كان قلبك أحيانًا، أم ساعدك أحيانًا، أم إبهامك أحيانٍ أخرى, فأنت من دونه تفتقر إلي الكمال."
 كان ارتباطه بروما وطيد إلى حد يصعب معه العيش في مكان آخر غيرها أو حتى صناعة فيلم خارجها، كان يقول عنها إنها صديقته التي أحسنت رعايته والتي لم يشعر معها بالوحدة أبدًا: "إن روما هي أيضًا المكان الذي عزمت على الموت فيه، مع أني نويت ألا أموت أبدا..".
 
التعليقات
press-day.png