رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

علي حلبي يكتب: يوميات مسجون.. لمحات من حياة «موكا وشوكان ودومه وياسين... ومنسي» بالسجن

القفص الزجاجي
ركن إلى طاولة خشبيه كئيبه, ازال الغبار وبقايا من عرق سال على وجنتيه, تامل القفص الزجاجى, لوح بيده, إبتسامة واهنة خرجت رغما عنه, أمل زائف داعبه, راقب هذا الجالس فى منتصف الطاوله بثقه إله, كلماته لا تصل إليه, تجهم وجهه يقلقه, قلبه يحدثه بأن ما يخشاه قد حدث, ابتلع ريقه بصعوبه, تحاشى نظرات الشفقه القاتله, حاول التشبث عبثا بما تبقى له من صبر, لم يجد سوى الخواء, انزلقت الدموع من عينه كنهر أزيلت حواجزه, هو لا يرغب فى شىء أكثر من العودة إلى غرفته, رغب في الرحيل عندما تحركت فى مخيلته صور الجدران العفنة, الأسوار العتيقة, الوحدة من جديد...
اين قدرتك يا الله ؟؟
لماذا لا ترسل الطوفان ليغرق الظالمين؟؟
لماذا تصبر على الفاسدين ؟؟
نجنى أو رد روحى إليك ....
 
غرفة التأديب
لا أعلم أن كان هذا الصباح أم المساء, فالظلام هنا حالك, لا أعلم أن كنت حيا أم أن الله  أعاد إلى روحى لاتلقى حسابى, لملمت بقاياى , حاولت النهوض ولكن هذا الوخز  فى رأسى أبقانى, تحسست الثقب الغائر فى منتصفها  وقد جفت الدماء حوله, أغمضت عينى للحظات حتى تعتاد الظلمة, درت ببصرى  فلم أجد سوى صفيحة بلاستيكية صغيرة تنبعث منها رائحة نتنة, ثبت يدى على الارض حتى أنهض ولكن سرعان ما رفعتها فى الهواء, يبدو أنها دهست إحدى الحشرات فى طريقها, ازلت ما تبقى من دماء فى الجدار الرطب,  لم أقوى على النهوض وإنما تزحزحت عدة مرات حتى طالت يدى الباب.
رحت أضربه بقوة, بلا  جدوى, فلم يجبينى أحد,أستغثت ولم يصلنى سوى صدى صوتى, قررت التخلص من حياتى البائسة,عدت بجسدى مرة أخرى, بحثت عن  شيء معدنى أقطع به شرياني على أستريح مما أعانيه, لم أجد, دفعت رأسى نحو الحائط عدة مرات وأنا مغمض العينين,  توقفت حين شعرت بدوار ثقيل سرعان ما دفعنى الى براثن الظلام مرة اخرى.
بعد ساعات أو أيام لا أدرى, عاد إلى وعى, كانت الظلمة هنا, لم تفارق المكان بعد, ويبدو أنها لم تفارقه أبدا, هذه المرة دققت فى المكان أكثر, فوجدت طوله لايتعدى المتر الواحد أما عرضه فلا يتجاوز النصف, رائحة العفن تغلغلت فى الغرفة وكأنها مستعمر باق منذ الآف السنين, بعد لحظات كسر حاجز الصمت صوت أحدهم, وقف على بعد خطوات من الباب متحفزا, أحنى قامته بصعوبة, وضع بعض الطعام بحذر وكأننى حيوان مفترس يخشى أن التهم يديه .
 راقبت الامر من بعيد وكأنه مشهد من أحد أفلام الرعب, جذبت الطعام نحوى, تفحصته, رغيف من الخبز تكومت عليه بقع خضراء, وبعض من الجبن, قبل أن أتناول ما ألقى إلى, توقفت يدى على فمى المفتوح على أخره, لم تطاوعنى رغم جوعى, وضعته جانبا, لم أجد سببا محددا للبكاء ولكننى رغبته بشدة, ارتفع صوت نحيبى حتى أصبح نهنهات, لم أبال بمن يصل إليه صوتى, على الرغم من أن أحدًا لم ير دموعى من قبل, فلم أكره اكثر من نظرات الشفقه ولكن اليوم لم أعد أبال بما أحب وبما أمقت.
بعد دقائق استخدمت الماء القليل الملقى بجانبى حتى أزيل بقايا دموعى, هدأت تشنجاتى وبدأت البحث عن طريقة أخرى للموت ما دامت لم تطاوعنى نفسى للتخلص منها, قررت الإضراب عن الطعام,  لن أضطر بعد ذلك  لقضاء حاجتى فى الصفيحة البلاستيكية الصغيرة الملقاة بجانبى , مرت أيامى التالية كبقايا حلم لا أتذكر أحداثه جيدا, كنت أرتحل فى غيبوبة لا أستفيق منها  سوى على صوت الحارس الذى كان يطمئن على بقائى حيا  بدفع جسدى عدة مرات وملامسة نبضى.
 
عيد الحب
لم أبال بهذه الزهور المتناثرة,  بدت كجثث بيضاء، نالت الأقدام منها، لم أبال بمن جلبها أو ماذا تفعل في هذا المكان الموحش، إنما تكومت على فراشي، أصابتني هذه النغزات المتتالية عندما تدفق سيل من ذكريات مضت  في رأسي, لم أعد أذكر شئ من ملامح هذه الفاتنة, تلاشت شيئا فشيئا، لكن الذكريات مازالت عالقة كالنقش على الاحجار، هي كل ما لدي الآن، لقد دربت على الصبر الطويل سيدتي، أتقن الانتظار، التعلق بالأشياء من خصالي الرديئة، أعلم انك ما عدت تذكريني، أعلم أن هناك من يشاركك الأحلام الآن، من جلب لك باقات الياسمين اليوم، لا لم أعد أعلم شئ، لم أعد أرغب سوى في إبعاد هذه الزهور من هنا. .
هذه لمحات من حياة "موكا وشوكان ودومه وياسين ومنسى وغيرهم" .
 
التعليقات
press-day.png