رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

علاء أبوزيد يكتب ثلاثية محفوظ.. رسائل ملونة ( الحلقة الأخيرة): عن الأحفاد الذين أخلصوا بعيدًا عن حزب الوطنية المصرية ليمهدوا الطريق أمام 23 يوليو 1952

نجيب محفوظ وعلاء أبوزيد
نجيب محفوظ وعلاء أبوزيد

مات السيد أحمد عبدالجواد، إثر لجوئه إلى قبو للإحتماء من غارة، لم يحتمل قلبه الواهن، مغادرة فراش المرض، وأصبحت أمينة بلا زوجها بعد حياة مشتركة بلغت خمسين عاما.

كانت أمام أبنائها تتظاهر بالتجلد والصبر، إلا إذا هلت خديجة والتى تراها أمها قلب البيت الحي، وذرفت الدموع بلا حساب، حينها لا تملك أمينة إلا أن تجهش فى البكاء.

تقول أمينة مع نفسها.. خديجة لا تفارقني فهي قلبي العامر بالحزن والذكريات وهي قلب كل قلب بل هي ابنتي وأختي وأمي أحيانا.

اختار نجيب محفوظ أن تكون خديجة، عمود الخيمة، لأسرة أحمد عبد الجواد، فهى أكثر إخوتها إنتماء، وأكثرهم خوفًا وغيرة على سيرة العائلة.

لم تكن خديجة، جميلة مثل عائشة، فقبلت الزواج من الشقيق الأكبر لزوج شقيقتها الصغرى، لقد تزوجت من إبراهيم شوكت، الذي يصغر أباها بثلاث سنوات.

لم تخضع مثل عائشة وأبيها لسطوة حماتها ذات الأصول الشركسية، بل دخلت معها فى صراع، رغبة فى التحرر، وكادت تنجح لولا تدخل أبيها وإصراره على أن تعتذر لحماتها.

نجحت خديجة فى حمل زوجها على احترام تقاليد الدين، فمارس الرجل الصلاة والصوم، واعتادهما، لكنها نسيت مبادئ القراءة والكتابة لعدم الإستعمال وكانت تقول:

لا حاجة بامرأة إلى الكتابة والقراءة، مادامت لا تكتب رسائل غرام.

خديجة هذه هي أم عبد المنعم الإخوانى وأحمد الشيوعي، شقيقان كلاهما فى طريق عكس الآخر أو هكذا يبدو، لو تأملت اختيار الشقيقين لاكتشفت انهما اختارا نفس الطريق.. الأخوانى يؤمن بـ أستاذية العالم والشيوعى يؤمن بأممية معتقدة، كلاهما ابن من هذه الأم المخلصة الشجاعة وكلاهما مخلص لوطنه بطريقته.

هذا ما لم يصرح به نجيب محفوظ، لكن تركه لنا لكى نفهمه، حتى لا يخون الناس أحدهما أو يخون كل فريق منهما الآخر.

فهل مع وطنيتهما كان نجيب محفوظ، يرى أنهما على صواب، خاصة أنهما كانا على قناعة بتجاوز دور الوفد، والعمل على نشر أفكارهما بين جماهيره المؤمنة به، والمطمئنة بأنه من يستحق الحديث باسمهم.

تعالوا نتتبع تصور الإخوان والشيوعيين لحزب الوفد.

فى حوار بين عبدالمنعم وأحمد فى بواكير وعيهما السياسي يقول أحدهما:

في أمتنا احتياطي من الخونة لا ينفد كل مهمته دائما تأديب الوفد إذا قال للإنجليز لا وانهم لفي الإنتظار، وهذه هى المأساة.

فيما بعد يلح الشيخ على المنوفي بأفكار ترفع راية الإيمان قبل أي شيئ آخر فيقتنع عبدالمنعم ويصبح اخوانيا مخلصا لتنظيمه.

كان الشيخ المنوفي يقول لهم:

إملأوا قلوبكم الطاهرة بالإيمان، بالإيمان تخلص الدنيا لكم.. الإيمان يفل الحديدـ الإيمان أقوى قوة فى العالم.. الانجليز والألمان والفرنسيون والطليان جل اعتمادهم على الحضارة المادية أما انتم فاعتمادكم على الإيمان الصادق.

كان هذا عن عبد المنعم، فماذا عن أحمد ابن التنظيم الشيوعى.

فى مجلة الإنسان الجديد يتبنى أحمد تصور رئيس تحريرها عن الوفد.. كان رئيس التحرير يقول:

الوفد حزب الشعب، وهو خطوة تطورية خطيرة وطليعية فى آن واحد.. كان الحزب الوطني، حزبا دينيا تركيا رجعيا، أما الوفد فهو يبلور القومية المصرية ويطهرها من الشوائب والخبائث، الوفد هو مدرسة الوطنية واليمقراطية، لكن الوطن لا يقنع وما ينبغى له أن يقنع بهذه المدرسة.. نريد مرحلة جديدة من التطور نريد مدرسة اجتماعية لأن الاستقلال ليس بالغاية الأخيرة، ولكنه الوسيلة لنيل حقوق الشعب الدستورية والاقتصادية والإنسانية.

كان عبد المنعم وأحمد، يمارسان نشاطهما السياسي بشكل علنى، وبلا خوف من سلطة باطشة تحكم، وكان نجيب محفوظ، يشير إلى أن نشاطهما لا يضايق السلطة، طالما يختصم من الرصيد الشعبى لحزب الأمة ومدرسة الوطنية.

إلا أن رضا السلطة لا يدوم، فحينما تشعر أن آخرين أدوا دورهم ونجحوا فيما لم تنجح هى فيه، تقوم بدورها التاريخى، فتتخلص منهم، ويتم القبض على عبد المنعم وأحمد، وتقوم بترحيلهما إلى معتقل الطور.

ومنذ ذلك الوقت يصبح المسرح خاليا من أعداء السلطة أو كما هى تعتقد وتبدأ مصر مرحلة جديدة فى 23 يوليو 1952 وكأنها تبدأ من الصفر.

التعليقات
press-day.png