رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

د. منى مينا تكتب: خطوات أولية للإصلاح الصحي.. بحثا عن طرح حقيقي وجاد

مني مينا
مني مينا

من أهم ما يقلقني في النسخ المتتالية لمشروع قانون التأمين الصحي، أني أشعر أنها تطرح تصورات غير واقعية وغير قابلة للتحقيق ، ليس لأنها أحلام تقتضى الكثير من العمل والجهد لتحقيقها، فأنا دائما أنحاز للأحلام الصعبة، وأدعو الجميع للتكاتف وبذل الجهد لتقريب البعيد، ولكني أرى أطروحات النسخ المتتالية من مشاريع التأمين الصحي غير واقعية وغير جادة، لأنها لم توضح ولم تهتم بكيفية توفير الأسس الأولية التي لا يمكن أن نتحدث عن تأمين صحي اجتماعي شامل في مصر دون توفيرها.. وكأننا نناقش ديكورات مبني فخم، دون أن يكون المبنى موجودا، بل ودون أن نبذل الجهد اللازم لوضع أساس المبني.

مثلا.. هل يمكن الحديث عن التأمين الصحي الذي يعتمد على نظام طب الأسرة، كمدخل أساسي لتعامل أي مريض مع التأمين ، في حين أننا نفتقد لأي نظام مستقر لطب الأسرة في مصر ، حيث نفتقد للأطباء المتخصصين في طب الأسرة (اجمالي اخصائي طب الاسرة المقيدين بالنقابة 1840 طبيب ، يتواجد حوالي 20% منهم فقط على رأس العمل بمصر و البقية نزحت للخارج ) ، كما نفتقد لوجود "الخطوط العلاجية الإسترشادية" الملزمة لطبيب طب الأسرة، ونفتقد لنظام الإحالة الذي يحدد لطبيب الأسرة متى وأين يحول مريضه، إذا إحتاج لخدمة صحية ذات مستوى أعلى من الرعاية الصحية الأولية.

أيضا نفتقد حاليا وبشدة لتوافر "قائمة الأدوية الأساسية"، والمستلزمات الأساسية، التي يحتاجها عمل وحدات طب الأسرة ..

وهل يمكن أن نناقش تأمين صحي ذو "جودة" ونحن نعاني من عجز 50% في التمريض وعجز 75% في تمريض المستشفيات الكبيرة؟

لذلك سأحاول هنا أن أناقش بعض الخطوات البسيطة، التي أرى أنها مدخلا أساسيا وضروريا لإصلاح المنظومة الصحية، وهي خطوات قليلة التكلفة، يمكن أن تعطي تحسنا ملموسا ورائعا في مستوى الخدمة الصحية خلال عام أو عامين على الأكثر، كما أنها تبني القاعدة الأساسية التي لابد أن نعتمد عليها في بناء نظام تأمين صحي شامل .

أولا: إعداد وحدات طب الأسرة.. (المدخل الاساسي لكل نظم التأمين الصحي الشامل)

عن طريق ..

1- تدريب كل أطباء التكليف قبل توزيعهم على الوحدات الصحية على برنامج سريع بإسم "مدخل لطب الأسرة" ، مع ربط أطباء الوحدات الصحية بالمستشفيات العامة و التعليمية و الجامعية القريبة ، بخطة تدريبية مستمرة (يوم اسبوعيا مثلا) .

2- إتاحة عدد كبير من نيابات طب الأسرة (لا يقل في رأي عن ألف مكان في كل حركة نيابات) مع اتاحة الإلتحاق الفوري لمن يرغب من أطباء التكليف بنيابة طب الأسرة ، و إتاحة البدء في دراسة زمالة طب الأسرة لكل من يلتحق بنيابة طب الأسرة .

3- وضع تحفيزمادي خاص لأطباء طب الأسرة .

4- تجميع "الخطوط العلاجية الإرشادية" للأمراض التي تعالج في مستوى طب الأسرة ، و نظام التحويل عند إحتياج المريض للتحويل لمستوى طبي أعلى ، في مطبوع رسمي للوزارة ، يحدث كل عام تبعا للتطور العلمي ، و يصل ليد كل طبيب في وحدات طب الاسرة . و يمكن لتوفير النفقات توفير هذا المطبوع على الموقع الإلكتروني لوزارة الصحة بدلا من النسخ الورقية ، مع إتاحة كومبيوتر مربوط بالمواقع العلمية في كل وحدة طب أسرة .

5- توفير قائمة الأدوية الأساسية و المستلزمات الطبية التي يحتاجها طب الأسرة في الوحدات ، و في حال عدم توافر بعض الأدوية الأساسية ، يتم تكليف شركات الأدوية المحلية (قطاع اعمال أو خاصة) بإنتاجها ، بسعر يضمن هامش ربح لهذه الشركات لمنع إفلاسها ، مع تقوية دور الرقابة الدوائية ، لضمان فاعلية الدواء ، و زيادة ثقة المريض المصري في دواء الوحدات و المستشفيات الحكومية .

إن هذه الخطوات البسيطة سترفع كفاءة جدا قطاع الرعاية الصحية الأولية ، الذي يعالج في العالم كله مابين 70% إلى 80% من المرضى ، و هذه الخطوات ستمكننا - على سبيل المثال- من علاج أغلب مرضى الضغط و السكر عن طريق المتابعة و العلاج الشهري البسيط التكلفة ، بدلا من المشاكل الرهيبة لمضاعفات الضغط و السكر، حال عدم وجود علاج منتظم من البداية ، وهي مشاكل لها تكلفة عالية جدا ، و لا يعود بعدها المريض لحالته الطبيعية ، بغض النظر عن نوع العلاج و تكلفته ..

أيضا هذه الخطوات البسيطة ، ستمنع إغراق المستشفيات الجامعية ، والمستشفيات المتخصصة، بحالات الأمراض البسيطة، التي يجب أن تعالج في وحدات طب الأسرة، و بذلك تستطيع المستشفيات المتخصصة أن تقوم بدورها في علاج الأمراض المتقدمة بشكل أحسن ..

ثانيا : سد العجز الحاد في أطباء التخدير والطوارئ والعنايات، وذلك عن طريق رفع فوري ومميز لأجر النوبتجية بهذه التخصصات، لعلنا نحل مشكلة عدم تشغيل العديد من غرف العمليات في المستشفيات الكبرى نتيجة عدم وجود أطباء تخدير .

ثالثا : وضع خطة لحل مشكلة العجز الحاد في أعداد التمريض، حيث تعاني مصر من نقص عام في أعداد التمريض، وهذه الأعداد القليلة تسعى بكل السبل للإنتقال للمراكز الصحية المريحة و القريبة من مكان السكن ، لذلك نجد العجز مضاعفا و حادا في المستشفيات الكبيرة و المجهدة ، و لذلك أقترح ..

1- رفع أجر النوبتجيات بالمستشفيات العامة والجامعية ، مع رفع أعلى لنوبتجيات الطوارئ والعمليات والعنايات والحضانات .

2- تشجيع الإلتحاق بمعاهد و كليات التمريض .

3- تشجيع "تعديل المسار الوظيفي" لمن يريد من خريجي المعاهد و الكليات العلمية ، اللذين لا يجدون عملا ، لدراسة منهج نظري و عملي تقره كليات التمريض ، ليسمح لهم بالإلتحاق بمهنة التمريض .

4- نشر الوعي بأهمية مهنة التمريض ، و الكف عن الترويج الإعلامي لصورة خاطئة و ظالمة للتمريض ، أحد أهم ركائز الخدمة الصحية ، إذا كنا نهدف فعلا لإصلاحها .

رابعا : توفير الأعداد الضرورية من عمال النظافة في المستشفيات ، مع منحهم رواتب معقولة ، و توفير مستلزمات و أدوات النظافة ، إذ ليس من المعقول أن نتحدث عن مكافحة العدوى أو الجودة في مستشفيات لا يتوافر فيها عمال النظافة ، أومساحيق النظافة ..

أخيرا أحب أن أوضح أن هذه ليست خطوات لإصلاح صحي عام وشامل، ولكنها تشكل في رأي "مدخل للإصلاح الصحي"، مدخل ضروري لنعطي تحسنا نسبيا سريعا للوضع الصحي المتدهور الذي يعاني منه مرضانا معاناة شديدة و متفاقمة، ومدخل ضروري لنبني عليه نظاما للتأمين الصحي الإجتماعي الشامل الحقيقي وليس الوهمي ..

أيضا كل هذه الخطوات هي خطوات بسيطة التكلفة، من الممكن تمويلها بالكامل من أبواب الإهدار التي مازالت واسعة داخل ميزانية الصحة، مثل باب سادس الخاص بتجديد وإعادة تجديد المستشفيات، لنبطنها بالرخام والجرانيت، وشراء السيارات الفارهة، ومثل إنفاق الملايين و المليارات على القوافل الطبية التي مازالت تخرج بإنتظام (فعليا أو على الورق) في كل الادارات والمديريات الصحية على مستوى الجمهورية.. ولنؤجل لحديث أخر حق الصحة في تمويل عادل يكافئ النسبة التي نص عليها الدستور كحد أدنى ..

التعليقات
press-day.png